من حيث لا يدري، كشف عضو الحركة الإسلامية بالجيش ورئيس تحرير صحيفة القوات المسلحة، العقيد إبراهيم الحوري، عن فساد مزرٍ تعاني منه القوات المسلحة السودانية منذ سنوات طوال، ولم تزل ترزح تحته في ظل سيطرة “الكيزان” على المؤسسة وتحويلها إلى مليشيا تخدم أجندتهم الخاصة.
كشف الحوري، خلال منشور على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، عن هيكلة وديناميكية العمل في الجيش، مشيراً إلى نقص كبير في التمويل أدى إلى ضعف ونقص العتاد والسلاح، وحال دون اكتمال هيكلة القوات المقاتلة. وهنا يبرز السؤال الملح: أين ذهبت الأموال الضخمة التي يقضمها الجيش من الميزانية العامة على مدى عقود من الزمان تحت بند “ميزانية الأمن والدفاع”، والتي تبلغ 80% من ميزانية البلاد المنهوبة؟
في جانب آخر، تُقدّر استثمارات الجيش والأمن والمنظومة الأمنية المختلفة بمليارات الدولارات؛ تشمل التصنيع الحربي والصناعات المختلفة، والاتجار في كل شيء؛ بداية بالبترول وانتهاءً بالحطب والفحم، وأخيراً -في ظل الحرب- استخدام الطائرات العسكرية كوسائل لنقل المواطنين بأسعار باهظة، وكل ذلك خارج ولاية المال العام. تدير هذه الأموال قلة من الجنرالات الفاسدين؛ فأين ذهبت كل تلك الاستثمارات التي يعود ريعها وربحها للتنظيم الإسلامي وجنرالاته الوالغين في الفساد والمتاجرة حتى بالمخدرات؟ ودونكم حادثة الطائرتين العسكريتين المحملتين بالمخدرات، والتي جرى كشفها بمطار عسكري قبل نحو أربع أعوام.
نعود لمنشور الكادر الإسلامي بالجيش، إبراهيم الحوري، والذي جاء دفاعاً عن قائده الهارب وقائد الفرقة الأولى مشاة بمدني، اللواء أحمد الطيب، الذي تمت تبرئته من تهمة الخيانة وإدانته بالسجن خمس سنوات بتهمة الإهمال، وهو الذي سحب قواته مما مكن قوات الدعم السريع من السيطرة على الولاية وما بعدها. وكأن آلاف الأرواح التي أُزهقت والممتلكات التي فُقدت “مزرعة خاصة بالكيزان” نام خفيرها على حين غرة فنالها ما نالها! فليس المهم ما حدث من مجازر طالما الضحايا مجرد أرقام ووقود في مسيرة الحركة الإسلامية العائدة إلى السلطة على الأشلاء والخراب الكبير.
الحوري ذاته، الذي خصص صفحته وصحيفة الجيش -التي يُفترض فيها القومية وتمنع قوانينها الاقتراب من العمل السياسي- لتوجيه السباب ونشر الأكاذيب تجاه القوى المدنية تحت سمع وبصر ورضا -وربما تصفيق- القيادة العسكرية؛ أليس هذا الجيش جيشاً “للكيزان” لا للسودان؟ يحاول الحوري عبثاً تعمية الرأي العام وتضليل الحقائق، وهو إذ يفعل ذلك، إنما يكشف عن عورة تفكيره وعوار تنظيمه الإسلاموي الإجرامي.
نعم، قضت محكمة عسكرية بسجن القائد الهارب خمس سنوات، ولكن محكمة مدنية قضت بالسجن المؤبد على رجل مدني (خالد بحيري) فضّل البقاء في المدينة التي هرب جيشها لخدمة أهلها وقضاء حوائجهم. إنها النسخة الثانية من عصر “الكيزان” الذي أعاد الله إليهم بريقهم عبر هذه الحرب الكارثية، و”ليمت من يمت” كما قال شيخهم عبد الحي يوسف وهو فرحٌ مستبشر والناس كَلْمى.
ظل الجيش على الدوام “بقرة مقدسة” تقرض ميزانية الدولة، وتقوض الأنظمة المدنية، وتتاجر في كل شيء عدا حماية المواطنين أو الدفاع عن حدود البلاد. ترسل جنودها مرتزقة في بلاد أخرى، وتجبن عن حماية مواطن أو حفظ بلاد من التفكك والتلاشي. فعقيدة الجيش التي ظلت حامية للسلطة ومسيطر عليها، تحولت للدفاع عن الحركة الإسلامية والقتال حتى تعود إلى السلطة، ممتطية ذات الجيش الذي أذاقته الهوان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.