بعد ما يقارب العامين من حربٍ أنهكت السودان أرضاً وشعباً، لم يعد السؤال المطروح هو من ينتصر عسكرياً، بل إلى أي مدى يمكن لهذا النزيف أن يستمر في ظل انسداد الأفق السياسي. وبين هذا وذاك، تعود مبادرات “الرباعية” إلى الواجهة بوصفها أحد آخر المسارات الدولية الجادة لمحاولة كبح الانهيار الكامل للدولة السودانية.
الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات، دخلت على خط الأزمة منذ بداياتها، مدفوعة بمخاوف تتجاوز الداخل السوداني إلى استقرار الإقليم، وأمن البحر الأحمر، وتداعيات الهجرة والاقتصاد. غير أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب المبادرات، بل في غياب الإرادة المحلية القادرة على تحويلها إلى واقع.
فشلت جولات التهدئة السابقة، وتعثرت مسارات جدة، لأن أطراف الحرب تعاملت مع المبادرات بوصفها محطات تكتيكية لالتقاط الأنفاس، لا بوصفها مداخل حقيقية لإنهاء القتال. كل طرف راهن على الحسم، وكلما طال أمد الحرب، تآكلت فرص السياسة، واتسعت رقعة الكراهية والانقسام.
اليوم، تبدو الرباعية أمام اختبار أكثر تعقيداً. فالسودان لم يعد كما كان عند اندلاع الحرب: الخرطوم مدمّرة، دارفور تنزف مجدداً، ومؤسسات الدولة تفككت فعلياً. هذا الواقع يفرض على أي مبادرة قادمة أن تتجاوز منطق “وقف إطلاق النار” إلى معالجة جذور الأزمة، وعلى رأسها سؤال السلطة، ودور الجيش، ومستقبل السلاح خارج الدولة.
مصير الحرب السودانية، في تقديري، لن يُحسم في الميدان بقدر ما سيُفرض سياسياً، حين تصل الأطراف إلى قناعة أن الكلفة باتت أكبر من أي مكسب محتمل. هنا فقط، قد تتحول الرباعية من وسيطٍ متردد إلى ضامنٍ حقيقي، يمتلك أدوات الضغط والحوافز في آن واحد.
لكن ذلك يظل مشروطاً بعامل حاسم: وجود صوت مدني سوداني مستقل، لا يُختزل في بيانات شكلية أو دعوات موسمية. فبدون شريك مدني حقيقي، ستظل أي مبادرة دولية معلّقة في الهواء، مهما حسنت نواياها.
الحرب السودانية تقترب من مفترق طرق حاسم. إما إعادة تدوير الصراع عبر تسويات هشة، أو فتح مسار سياسي جديد، قاسٍ لكنه ضروري. والرباعية، رغم كل الانتقادات، ما زالت تملك فرصة أخيرة لتكون جزءاً من الحل، لا مجرد شاهدٍ على الانهيار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.