ويستمر تماهي الإسلاميين مع العسكر: كيف انتهت التجربة الإسلامية في السودان إلى إفساد الدين والسياسة والدولة… ولماذا تتجدد الكارثة اليوم؟

 اسماعيل ع. مضوي

واهمٌ من يراهن على تحوّل العسكر الذين يُمسكون اليوم بزمام السلطة في السودان، كما هو واهمٌ من يعتقد أن الإسلاميين سيتخلّون طوعًا عن تحالفهم التاريخي مع الجيش. فهذه العلاقة لم تكن يومًا تحالف ظروف عابرة، بل كانت ــ ولا تزال ــ توافقًا بنيويًا بين عقلية السلاح وعقلية التنظيم، كلاهما يرى الدولة غنيمة، والمجتمع مجال ضبط، والدستور عائقًا لا مرجعية.
ما يجري اليوم ليس إلا إعادة إنتاج مكرورة لسيناريو عهد البشير، بوجوه أقل حيلة، ودولة أكثر تهالكًا، وبيئة إقليمية ودولية أشد قسوة. برلمان شكلي سيُستدعى لتجميل السلطة، ومؤسسات تُفرغ من مضمونها، وممارسات قديمة ستُعاد بلا خجل: إقصاء، تمكين، تديين للسياسة، وتسليع للدين في سوق الشرعية. والنتيجة المتوقعة ليست استقرارًا، بل تعميق عزلة السودان، وتكريس صورته كدولة خارج منطق العصر.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار لا يُسيء إلى الدولة وحدها، بل يوجّه أكبر ضربة للإسلام نفسه، وللمسلمين، والمتبقي من الاسلاميين الذين ما زالوا يملكون وعيًا نقديًا ويرفضون اختزال الدين في السلطة. هؤلاء سيكونون ــ كما في السابق ــ أول من يدفع الثمن: تهميشًا، وتشويهًا، وربما افتراسًا من داخل المنظومة ذاتها. فقد علّمتنا التجربة أن المشروع حين يتحالف مع السلاح، يأكل أبناءه قبل خصومه، وأن شيخ الحركة نفسه ــ حسن الترابي ــ لم يكن استثناءً من هذه القاعدة القاسية.
من هنا، فإن هذا البوست لا تناقش تحالف الإسلاميين مع العسكر بوصفه خطأً سياسيًا فحسب، بل بوصفه مأزقًا فكريًا وأخلاقيًا وتاريخيًا، أعاد إنتاج الفشل، وشرعن الاستبداد، وفتح الطريق أمام كارثة وطنية تتجدد اليوم بصورة أشد بؤسًا وخطورة.
وكان الله في عون السودان.
1. من الدعوة إلى السلطة: حين خلط الإسلاميون بين الرسالة والغلبة
لم تكن مأساة الإسلاميين في السودان وليدة انقلاب 1989 وحده، بل نتاج تحول عميق في الوعي سبق الانقلاب بسنوات:
الانتقال من فهم الإسلام بوصفه هداية أخلاقية ومشروع إصلاح مجتمعي، إلى التعامل معه بوصفه أيديولوجيا سلطة تبحث عن الغلبة لا عن الإقناع.
هذا التحول جعل الدولة غاية، لا وسيلة؛
والسلطة معيار صدق، لا عبئًا أخلاقيًا؛
والخصم السياسي عدوًا للدين، لا شريكًا في الوطن.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: كيف نخدم الإسلام؟
بل: كيف نحكم باسم الإسلام؟
وهو سؤال مقلوب في جوهره، لأنه يجعل الدين تابعًا للسلطة لا رقيبًا عليها.
2. التحالف مع العسكر: زواج مصلحة أم توافق بنيوي؟
يخطئ من يظن أن تحالف الإسلاميين مع العسكر كان مجرد “اضطرار مرحلي”.
في الحقيقة، هو توافق بنيوي بين عقليتين:
• عقلية تنظيمية مغلقة ترى نفسها طليعة مختارة،
• وعقلية عسكرية ترى الشعب مادة للضبط لا مصدرًا للشرعية.
كلاهما:
• لا يؤمن بالديمقراطية إلا تكتيكًا،
• ولا يحتمل التعدد إلا اضطرارًا،
• ويخشى المجتمع الحر لأنه غير قابل للسيطرة الكاملة.
ولهذا لم يكن انقلاب 1989 انحرافًا عن المشروع الإسلامي، بل تجسيدًا له في صورته السلطوية.
3. لماذا غابت المراجعات الحقيقية؟
لأن المأساة كانت “نجاحًا تنظيميًا”
السؤال الجوهري ليس: لماذا لم يراجع الإسلاميون تجربتهم؟
بل: لماذا لم يروا في فشلها فشلًا؟
داخليًا، حققت التجربة:
• تمكينًا تنظيميًا،
• سيطرة على مفاصل الدولة،
• إقصاء الخصوم،
• إنتاج نخبة جديدة مرتبطة بالسلطة.
هذا يُعد، بمنطق التنظيم، نجاحًا، حتى لو كان:
• كارثة وطنية،
• وانهيارًا أخلاقيًا،
• وتشويهًا للإسلام في وعي الناس.
ثقافة المراجعة تفترض الاعتراف بالخطأ،
لكن التنظيم الذي يربط شرعيته بالدين يرى الاعتراف بالخطأ تهديدًا وجوديًا، لا خطوة إصلاحية.
4. العصبية التنظيمية: حين تحولت الجماعة إلى صنم
أخطر ما أفرزته التجربة الإسلامية في السودان هو تقديس التنظيم.
لم يعد الإسلام مرجعية عليا، بل الجماعة.
ولم يعد النقد نصحًا، بل خيانة.
ولم يعد الخلاف اجتهادًا، بل شقًا للصف.
بهذا المعنى، شوه الإسلاميون:
• مفهوم الأخوة الإسلامية،
• ومعنى الشورى،
• وأخلاق الاختلاف.
وتحول التيار الإسلامي من طيف فكري متنوع إلى جزر متصارعة،
كل جماعة:
• تشكك في إسلام الأخرى،
• وتخون نواياها،
• وتبرر التحالف مع العسكر ضدها.
5. الدولة القطرية: الامتحان الذي فشل فيه الإسلاميون
رفع الإسلاميون شعار “الإسلام هو الحل”،
لكنهم حين واجهوا واقع الدولة الحديثة:
• الدستور،
• القانون،
• المواطنة،
• التعدد،
عجزوا عن إنتاج صيغة أخلاقية–سياسية معاصرة.
فهربوا إلى:
• الأمن بدل السياسة،
• الولاء بدل الكفاءة،
• التعبئة الدينية بدل العقد الاجتماعي.
وهكذا لم يُصلحوا الدولة،
بل تديّنت الفوضى،
وصار الظلم يُبرر بالآيات،
والفساد يُغلف بالشعارات.
6. النتيجة التاريخية: من أفسد من؟
حصيلة التجربة الإسلامية في السودان ليست فقط:
• دولة فاشلة،
• اقتصاد منهار،
• حروب أهلية،
• وانفصال الجنوب،
بل أخطر من ذلك:
• تشويه صورة الإسلام في وعي أجيال كاملة،
• ربط التدين بالقمع،
• وربط المشروع الإسلامي بالفساد والاستبداد.
لقد فشل الإسلاميون في الحكم،
لكنهم نجحوا في إفساد السياسة، والدين، والعسكر معًا.
7. عودة التحالف اليوم: لماذا المأساة أشد بؤسًا؟
اليوم، يعود الإسلاميون للتحالف مع العسكر:
• بلا مشروع،
• بلا مراجعة،
• بلا اعتذار أخلاقي،
• وفي بلد أكثر هشاشة وانقسامًا.
الفارق أن:
• الجيش أكثر تفككًا،
• المجتمع أكثر وعيًا وعداءً للتجربة،
• الدولة شبه منهارة،
• والعنف بلا سقف.
إنها عودة لا لإحياء مشروع،
بل لإدارة الخراب.
سؤال المستقبل
التنازع الداخلي أخطر من العدو الخارجي؟
نعم، حين يكون التنازع ناتجًا عن:
• غياب الأخلاق،
• واحتكار الحقيقة،
• وعبادة التنظيم.
وما لم يجرؤ الإسلاميون على:
• فك الارتباط مع العسكر،
• وتقديم مراجعة فكرية لا تبريرية،
• وإعادة الإسلام إلى موقعه كقيمة أخلاقية لا أداة سلطة،
فإن كل عودة لهم إلى المشهد
لن تكون إلا إعادة تدوير للفشل… ولكن بثمن أعلى على الإسلام والسودان معًا.
يبقى السؤال الجوهري الذي لا مهرب منه:
هل يملك الإسلاميون الشجاعة الفكرية لإجراء مراجعة حقيقية، لا تجميلية؟
وهل يملك الجيش الإرادة الأخلاقية والسياسية ليقود اعتذارًا صريحًا للشعب السوداني، ويقبل بالانسحاب من المجال السياسي، ويفتح الطريق أمام نظام مدني يعيد السودان إلى مصاف الدول غير المعزولة والمنبوذة؟
الجواب، بكل واقعية مؤلمة، هو: لا.
فالمراجعة الحقيقية ليست خطابًا، بل كلفة؛
كلفة اعتراف بالخطأ،
وتفكيك لمصالح راسخة،
وخسارة امتيازات،
وقبول بالمحاسبة الأخلاقية والقانونية.
وهذه كلفة لا يبدو أن الإسلاميين مستعدون لدفعها، لأن الاعتراف بفشل التجربة يعني انهيار السردية التي تمنحهم شرعية الوجود السياسي.
كما أن الجيش، بطبيعته المؤسسية وتاريخه السياسي، لا يرى نفسه طرفًا يحتاج إلى اعتذار، بل وصيًا على الدولة، وحارسًا متخيّلًا لوحدتها. ومن لا يعترف بأنه جزء من الأزمة، لا يمكن أن يكون جزءًا من الحل. فالمؤسسة التي اعتادت حكم البلاد بالقوة، لا تقود انتقالًا مدنيًا بإرادتها، بل تُجبر عليه بميزان قوى مختلف لم يتشكّل بعد.
لهذا يبدو الأفق قاتمًا. لا مراجعة فكرية تلوح في معسكر الإسلاميين، ولا استعداد أخلاقي أو قانوني للمحاسبة داخل المؤسسة العسكرية. وبين هذا العجز المزدوج، يستمر السودان في دفع الثمن: عزلة، وانهيار دولة، وتفكك مجتمع، وحرب بلا أفق.
إن المأساة السودانية اليوم لا تكمن فقط في سوء الخيارات، بل في انسداد الخيال السياسي لدى من يملكون السلاح والتنظيم معًا. وحين تغيب القدرة على الاعتذار، وعلى التراجع، وعلى تسليم السلطة طوعًا، يصبح المستقبل رهينة استمرار الخراب لا تجاوزه.
الوضع، بلا مواربة، مزرٍ وأسود.
ولا خلاص يلوح في الأفق ما لم يُفرض مسار جديد من خارج هذه .
الثنائية العقيمة: إسلاميون بلا مراجعة، وعسكر بلا مساءلة…

ونواصل✍️…..

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.