بين ضرورات الأمن واقتصاد الأزمات: كيف تعيد مصر تشكيل نفوذها في أفريقيا؟

تقرير: عين الحقيقة

مع دخول عام 2026، لم تعد السياسة المصرية في القارة الأفريقية تعتمد على الدبلوماسية التقليدية وحدها. فمن السودان الجريح إلى القرن الأفريقي المتوتر، وصولاً إلى ليبيا، تدير القاهرة ملفات الصراع باستراتيجية مزدوجة ومعقدة: يد تمسك بخيوط الأمن القومي، وأخرى تجني مكاسب اقتصادية فرضتها تحولات الحروب في دول الجوار.

يرصد هذا التقرير كيف تحولت الأزمات الحدودية من تهديد وجودي إلى واقع اقتصادي تستفيد منه القاهرة، ضمن معادلة إقليمية جديدة.

الملف السوداني… من الشراكة إلى «شريان الحياة الوحيد»

لعل التحول الأبرز والأكثر حساسية يتمثل في الملف السوداني.. فبينما تدعم مصر سياسياً وعسكرياً الجيش السوداني خشية من تفكك مصالحها الإقتصادية في البلاد، تشكلت على الأرض واقعية اقتصادية جديدة يمكن توصيفها بـ«اقتصاد الحرب، وتتجلى في ثلاثة مسارات رئيسية:

الهيمنة على الأسواق

فمع خروج المصانع السودانية في الخرطوم والجزيرة عن الخدمة، تحول السودان من شريك تجاري إلى سوق استهلاكي كامل للمنتجات المصرية.. فالأغذية والأدوية ومواد البناء التي تدخل السودان باتت مصرية المنشأ، ما ضاعف الصادرات المصرية ودفع المصانع للعمل بطاقتها القصوى لتلبية طلب جار فقد قدرته على الإنتاج.

مسار الذهب الجديد

قبل الحرب، كان الذهب السوداني يُصدر جواً إلى دبي وروسيا.. اليوم، وبفعل العقوبات وتوقف المطارات، تغيرت الخارطة، ليصبح الطريق البري نحو مصر الممر الآمن شبه الوحيد.. هذا التحول جعل القاهرة محطة «ترانزيت» إجبارية، حيث يتم تسييل الذهب أو إعادة تصديره، ما عزز تدفقات النقد الأجنبي داخل النظام المالي المصري.

معادلة المواد الخام

في ظل حاجة المنتج السوداني للسيولة النقدية، تتدفق الثروة الحيوانية والمحاصيل، مثل السمسم والصمغ العربي، إلى الأسواق المصرية بأسعار منخفضة، ليُعاد تصنيعها أو تصديرها أو استهلاكها محلياً، الأمر الذي ساهم في كبح التضخم الغذائي داخل مصر، مقابل خسارة الاقتصاد السوداني لقيمته المضافة.

القرن الأفريقي… سياسة التطويق في الصومال وإثيوبيا

بعيداً عن الاقتصاد، تحضر الجغرافيا السياسية بقوة.. ففي مواجهة الطموح الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر، تحركت مصر خلال عام 2026 لتفعيل تحالفات عسكرية مباشرة مع الصومال.

الرسالة المصرية واضحة: أمن مقديشو من أمن القاهرة.. ويُنظر إلى هذا الدعم العسكري باعتباره ورقة ضغط استراتيجية لتطويق إثيوبيا من الخلف، ودفعها للعودة إلى طاولة المفاوضات في ملف سد النهضة، ومنع تحوّلها إلى قوة مهيمنة على مدخل البحر الأحمر وباب المندب.

ليبيا… الاستقرار من بوابة الإعمار

غرباً، تدير القاهرة الملف الليبي بمنطق الشركات قبل الجنود… فالاستقرار السياسي الذي تسعى إليه مصر يهدف بالأساس إلى فتح المجال أمام الشركات المصرية لقيادة عمليات إعادة الإعمار في الشرق والغرب الليبي.

وأصبحت ليبيا سوق العمل الأبرز للعمالة المصرية، والرئة التي تتنفس منها شركات المقاولات الكبرى، في معادلة تجمع بين النفوذ السياسي والمكاسب الاقتصادية.

استغلال أم إدارة ذكية للأزمة؟

ينقسم التقييم بين من يرى في هذا المشهد استغلالاً لضعف الجيران ونهباً لثرواتهم بأسعار متدنية، ومن يعتبره إدارة ذكية للفوضى وحماية للمصالح القومية في عالم لا يعترف إلا بمنطق القوة.

المؤكد أن مصر نجحت في تحويل موقعها الجغرافي وسط «حزام النار» إلى مركز لوجستي وتجاري إقليمي، مستفيدة من رؤوس الأموال الهاربة واحتياجات الأسواق المعطلة، لتعيد صياغة معادلة جديدة مفادها:
«نحن نساعدكم على البقاء… ولكن وفق شروطنا الاقتصادية والأمنية».

صوت من الشارع السوداني

في ظل تصاعد الحملات الممنهجة والمضايقات التي يواجهها السودانيون في مصر، خرج الناشط السوداني المعروف بلقب «وزير الشباب» في مقطع مصور لافت، وجه خلاله رسائل مباشرة لكل من يحاول النيل من كرامة اللاجئ السوداني، في خطاب أثار تفاعلاً واسعاً وأعاد الجدل حول أوضاع اللاجئين وحدود المعاملة الإنسانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.