«هندسة إخوانية» لتصفية الحلفاء… انقسامات تعصف بمعسكر البرهان وسيناريوهات مفتوحة

محمد سبتي: صحفي أردني

يواجه معسكر رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في مدينة بورتسودان أخطر تصدّع داخلي منذ اندلاع حرب أبريل، وسط تقارير استخباراتية ودبلوماسية تشير إلى إحكام تنظيم «الإخوان المسلمين» (الكيزان) قبضته على مفاصل القرارين العسكري والسياسي. وقد أفضى هذا التغلغل إلى موجة إقصاء ممنهجة طالت الحلفاء التاريخيين من حركات الكفاح المسلح، واضعًا البلاد أمام سيناريوهات قاتمة، تتراوح بين الانهيار الشامل والانزلاق إلى «حروب داخل الحرب».

هندسة تمكين جديدة: الإخوان في قمة الهرم

تكشف التطورات المتسارعة أن مراكز القوى الحقيقية في العاصمة البديلة باتت تُدار بواسطة قيادات إخوانية مرتبطة بالنظام السابق، نجحت في إعادة تدوير نفسها داخل مؤسسات سيادية وأمنية حساسة. وتشير مصادر نقل عنها موقع «ملفات عربية» إلى أن هذه القيادات تعمل وفق استراتيجية «هندسة المشهد»، لإفراغ مجلس السيادة من الأصوات الداعية للحل السلمي، واستبدال التحالفات الوطنية بميليشيات عقائدية ومجموعات «مستنفرين» تدين بالولاء المطلق للتنظيم.

ولم يعد هذا النفوذ خافيًا على المجتمع الدولي؛ إذ ترصد تقارير أوروبية وأمريكية تحكم «الكيزان» في ملفات اقتصادية وأمنية، ما عطّل مساعي دمج السودان في محيطه الدولي، وحوّل السلطة القائمة إلى رهينة لأجندة أيديولوجية تسعى لاستعادة نموذج التمكين والاستبداد عبر فوهة البندقية.

حرب «كسر العظم»: تصفية حلفاء جوبا

برزت ملامح الانشقاق الكبير عبر ما عُرف بـ«تسريبات الجاكومي»، التي كشفت صراعًا محتدمًا داخل أجنحة السلطة.

ولم يتأخر الرد، إذ أُقيل القيادي محمد سيد أحمد الجاكومي في خطوة فسّرها مراقبون كبداية نهاية «تحالف الضرورة» مع الحركات الموقعة على اتفاق جوبا.

ولم تتوقف مقصلة الإقصاء عند هذا الحد؛ فقد طالت قادة بارزين، بينهم مني أركو مناوي، الذي تعرّض لعزل غير معلن عبر تقليص صلاحياته كحاكم لإقليم دارفور وتحويل منصبه إلى موقع شرفي بلا موارد، ردًا على محاولاته الحفاظ على استقلال قراره السياسي. كما يواجه وزير المالية جبريل إبراهيم حملة تهميش تهدف إلى انتزاع السيطرة على الموارد وتوجيهها لدعم كتائب عقائدية، بدلًا من القوات المشتركة.

«التجويع العسكري»: الفاشر على حافة الانفجار

انتقل الصراع من الغرف المغلقة إلى الميدان. وتكشف مصادر عسكرية عن قرار خطير بوقف الإمدادات العسكرية واللوجستية والمالية عن قوات جيش تحرير السودان، خاصة في جبهة الفاشر المحاصَرة. ويُعد هذا «التجويع العسكري» أداة ضغط لإخضاع الحركات أو دفعها نحو التصفية الميدانية، في وقت تُوجَّه فيه الأسلحة المتطورة إلى كتائب إخوانية، ما ينذر بانسحابات ميدانية وتبدّل موازين القوى.

عزلة دولية وتحركات أوروبية

وضعت هذه الهيمنة السودان في دائرة عزلة دولية متصاعدة. وتشير معطيات إلى شروع البرلمان الأوروبي في صياغة استراتيجية لتجفيف منابع تمويل التنظيم وملاحقة قياداته المتورطة في جرائم حرب. وترى دوائر دبلوماسية في بروكسل أن وجود الإخوان في مفاصل القرار يفتح الباب أمام عودة جماعات عابرة للحدود، بما يهدد أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وفق ما أوردته صحيفة «التغيير».

سيناريوهات المستقبل: صدام بلا عودة

يجد البرهان نفسه اليوم بين مطرقة ضغوط إخوانية تدفع نحو تصفية «حلفاء المصلحة»، وسندان الحاجة الميدانية لقوات الحركات المسلحة. ويرى محللون أن الصراع بلغ نقطة اللاعودة؛ فاستمرار سيطرة التيار المتشدد قد يقود إلى صدام مسلح داخل المعسكر الواحد في بورتسودان، موجّهًا ضربة قاصمة لما تبقى من هيبة الدولة.

إن السودان يقف عند مفترق طرق تاريخي: إمّا الخضوع لمخطط «التمكين الإخواني» بما يحمله من تمزق وعزلة، أو بناء جبهة وطنية عريضة تعيد الاعتبار لمسار الانتقال المدني الديمقراطي وتقتلع جذور التنظيم من بنية الدولة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.