الإخوان كفشل «أنثروبولوجي»: كيف أخطأت الجماعة قراءة المجتمع الذي ادّعت تمثيله؟

رشا عمار: صحفية مصرية

لا يمكن فهم إخفاق جماعة الإخوان المسلمين بوصفه مجرد هزيمة سياسية أو حصيلة أخطاء تكتيكية عابرة؛ فالأزمة أعمق من ذلك بكثير. ما واجهته الجماعة، منذ لحظة صعودها وحتى سقوطها، هو فشل بنيوي في إدراك طبيعة المجتمع الذي ادّعت تمثيله وقيادته. فقد تعاملت معه باعتباره امتدادًا لمشروعها الأيديولوجي، لا كفضاء مستقل تحكمه مصالح متباينة وتوازنات اجتماعية معقّدة.

هذا الخلل في الفهم جعل الجماعة تصطدم بالمجتمع نفسه، لا بالدولة وحدها. ومن هنا يمكن قراءة تجربة الإخوان بوصفها فشلًا في التحليل الاجتماعي قبل أن تكون فشلًا في الحكم.

المجتمع في خطاب الإخوان: كتلة مطيعة لا كيان متعدّد

منذ نشأتها، بنت الجماعة تصورها للمجتمع على منطق الاختزال؛ فالمجتمع في أدبياتها ليس فضاءً متنوعًا، بل «جمهورًا مسلمًا» يُفترض أنّه يشترك في منظومة قيم واحدة، ويمكن قيادته عبر الدعوة والتنظيم. هذا التصور ألغى الفوارق الطبقية، والتباينات الثقافية، وتعارض المصالح، لصالح صورة مبسطة عن «أمة» تنتظر من يقودها.

لم تتعامل الجماعة مع المجتمع بوصفه كيانًا مستقلاً عن التنظيم، بل باعتباره مجالًا للتمدد والسيطرة. وكانت الدعوة، والعمل الخيري، والخدمات الاجتماعية أدوات لاختراق المجتمع لا لبناء علاقة أفقية معه. ومع الوقت تحوّل التنظيم إلى العدسة الوحيدة التي ترى من خلالها الجماعة الواقع: من هو «قريب» ومن هو «بعيد»، من هو «مع المشروع» ومن هو «ضده».

هذا المنطق جعلها عاجزة عن قراءة التحولات العميقة في المجتمع المصري: تفكك الطبقة الوسطى، وصعود اقتصاد البقاء، وتغيّر أنماط التدين، وتراجع الثقة في الخطابات الشمولية. ورغم ذلك استمرت في التعامل مع المجتمع كما لو أنّه ثابت، ينتظر فقط لحظة «التمكين».

وعندما ظهرت مؤشرات الرفض أو التحفّظ، لم تُقرأ بوصفها تعبيرًا عن مصالح أو مخاوف حقيقية، بل فُسّرت أخلاقيًا باعتبارها تغريبًا أو تشويهًا أو تضليلًا. وهكذا لم يعد المجتمع شريكًا في المشروع، بل عقبة ينبغي تجاوزها أو «إعادة تربيتها».

الحكم… لحظة انكشاف وهم التمثيل

شكّل وصول الإخوان إلى السلطة لحظة كاشفة لوهم طالما روّجت له الجماعة: أنها تُعبّر عن «الشارع». فقد افترضت أن الفوز الانتخابي يمنحها تفويضًا اجتماعيًا واسعًا لإعادة تشكيل المجال العام وفق رؤيتها. لكن الممارسة كشفت سريعًا الفجوة بين التنظيم والمجتمع.

تعاملت الجماعة مع الحكم بوصفه غنيمة سياسية، لا مسؤولية اجتماعية معقّدة. لم تُبدِ حساسية حقيقية تجاه المخاوف المرتبطة بالاقتصاد أو الحريات أو توازنات السلطة، وبدل الانخراط في تفاوض سياسي واسع، لجأت إلى منطق الغلبة التنظيمية، وكأنّ المجتمع ملحق بالشرعية الانتخابية.

الأخطر أنها قرأت الاعتراض الاجتماعي بوصفه تمردًا على «المشروع الإسلامي»، لا اعتراضًا على الأداء والسياسات. وبهذا تحوّل الخلاف السياسي إلى صراع أخلاقي، ما عمّق القطيعة مع قطاعات لم تكن معادية بالضرورة، لكنها شعرت بالإقصاء والاستعلاء.

لم تكن لحظة 30 يونيو انفجارًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لفشل الجماعة في إدراك أن المجتمع لا يُدار بالولاء الأيديولوجي، وأن الشرعية لا تُختزل في صندوق انتخابي واحد.

بعد السقوط: الجماعة في مواجهة المجتمع

كان يمكن أن يشكّل السقوط فرصة لمراجعة جذرية، لكن ما حدث كان العكس. أعادت الجماعة إنتاج خطابها ذاته مع تعديل طفيف: المجتمع لم يعد «حاضنة»، بل أصبح «مضلَّلًا» أو «مخطوفًا». وهكذا تحوّل الفشل في الفهم إلى اتهام صريح للمجتمع.

لم تُطرح الأسئلة الجوهرية: لماذا لم يدافع الناس عنها؟ ولماذا لم تتحول سنوات الدعوة والخدمة إلى حماية شعبية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة كانت ستقود إلى نقد ذاتي حقيقي، وهو ما تجنّبته القيادة التنظيمية، لأن المراجعة تهدد البنية المغلقة التي يقوم عليها التنظيم.

في المنفى ازداد الانفصال وضوحًا؛ بات الخطاب موجّهًا للخارج، بينما غاب المجتمع المحلي إلا كصورة رمزية تُستخدم لتبرير الاستمرار. ولم يعد هناك جهد لفهم التحولات الاجتماعية أو الدينية، بل اكتفاء بإعادة تدوير سردية المظلومية.

التنظيم بدلًا عن المجتمع: وهم الاكتفاء الذاتي

أحد أعمق أوجه الفشل تمثّل في اعتقاد الجماعة أن التنظيم قادر على أن يكون بديلًا عن المجتمع، أو على الأقل اختصاره. فبدل التعامل مع المجتمع كساحة مفتوحة للتفاعل، بنت عالمًا موازيًا: هياكل ولوائح وأُسر وخطابًا داخليًا يُنتج شعورًا بالاكتفاء الذاتي والانفصال عن الواقع. داخل هذا العالم لا تُقاس الشرعية بالقبول الاجتماعي، بل بدرجة الانضباط التنظيمي.

كلما ازداد الرفض، انكمشت الجماعة إلى داخل تنظيمها، وفسّرت ذلك باعتباره دليلًا على «صواب الطريق»، لا على خلل المسار. وهكذا تحوّل التنظيم من أداة للعمل العام إلى غاية في ذاته، تُقدَّم سلامته على أي تفاعل نقدي مع المجتمع.

عندما سقطت الجماعة، اكتشفت أن التنظيم مهما بلغ حجمه لا يمكن أن يحل محل المجتمع. فالشبكات المغلقة لا تحمي من الغضب العام، والانضباط لا يعوّض غياب القبول. ومع ذلك واصلت القيادة الرهان على التنظيم لا على إعادة بناء العلاقة مع المجتمع.

بهذا المعنى، لم يكن فشل الإخوان سياسيًا فقط، بل أنثروبولوجيًا بامتياز: فشل نابع من تصور يرى المجتمع تابعًا لا فاعلًا، وأداة لا شريكًا وهي معادلة لا تنتج سوى العزلة والانهيار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.