ما بعد باريس: أوروبا تعيد النظر في ملف الإسلام السياسي

 نورا عثمان

أعاد التصويت الفرنسي الأخير، الذي شدّد الخناق على أنشطة جماعات الإسلام السياسي، ملفّ الإخوان المسلمين إلى واجهة النقاش الأوروبي من جديد، ليس بوصفه قضية أمنية محلية تخص فرنسا وحدها، بل كإشكالية عابرة للحدود باتت تقلق عواصم أوروبية عدة. فالسؤال المطروح اليوم لم يعد: هل تشكل هذه الجماعات خطرًا؟ بل: متى وكيف ستتعامل أوروبا معها على مستوى جماعي؟

التحرك الفرنسي يعكس تحوّلًا واضحًا في المزاج السياسي الأوروبي، حيث لم تعد الخطابات التقليدية حول “الاندماج” و”حرية التنظيم” كافية لتجاوز المخاوف المتنامية من شبكات أيديولوجية عابرة للدول، تستثمر في المساحات القانونية المفتوحة، وتعمل تحت واجهات دعوية وخيرية، بينما تحتفظ بروابط فكرية وتنظيمية مثيرة للجدل.

ورغم أن الإخوان المسلمين لم يُصنّفوا بعد كتنظيم إرهابي على مستوى الاتحاد الأوروبي، فإن التصويت الفرنسي يفتح الباب أمام مسار أكثر صرامة، قد يبدأ بتضييق مالي وقانوني، وينتهي بتصنيف أو شبه تصنيف، كما حدث مع جماعات أخرى جرى التعامل معها تدريجيًا، لا دفعة واحدة. فالتجربة الأوروبية تُظهر ميلًا إلى التدرج، خشية الاصطدام بالقوانين الداخلية أو الوقوع في معارك حقوقية معقدة.

في المقابل، لا يمكن فصل هذا التحول عن السياق الدولي الأوسع. فالتقارب الأوروبي مع بعض الدول العربية التي صنّفت الإخوان جماعة متطرفة، إضافة إلى تصاعد الهواجس الأمنية المرتبطة بالتطرف والعنف، كلها عوامل دفعت صناع القرار في أوروبا إلى إعادة تقييم سياسة “الغضّ الطرف” التي سادت لسنوات.

غير أن التحدي الأكبر أمام الاتحاد الأوروبي يكمن في توحيد موقفه. فبينما تمضي دول مثل فرنسا والنمسا في سياسات أكثر تشددًا، لا تزال دول أخرى مترددة، تخشى أن يؤدي التصنيف إلى تعقيدات قانونية أو ردود فعل داخل الجاليات المسلمة. هذا التباين قد يؤخر القرار، لكنه لا يلغيه.

ما بعد التصويت الفرنسي ليس كما قبله. فالإخوان المسلمون في أوروبا يواجهون مرحلة جديدة، عنوانها المراقبة الدقيقة، وتقلص الهوامش، وتزايد الأسئلة حول مصادر التمويل، وطبيعة الخطاب، والارتباطات العابرة للحدود. قد لا يكون التصنيف الأوروبي وشيكًا بالمعنى الزمني، لكنه بات أقرب من أي وقت مضى بالمعنى السياسي.

والخلاصة أن أوروبا، التي طالما فضّلت إدارة هذا الملف بهدوء، بدأت تنتقل من مرحلة التساؤل إلى مرحلة القرار. أما شكل هذا القرار وتوقيته، فسيحدده ميزان معقّد بين الأمن، والقانون، والسياسة… وهو ميزان لم يعد يميل كما كان في السابق.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.