أعاد تصويت البرلمان الفرنسي لصالح مقترح أوروبي يدعو إلى إدراج تنظيم الإخوان المسلمين على قائمة التنظيمات الإرهابية للاتحاد الأوروبي، فتح ملف شديد التعقيد ظلت العواصم الأوروبية تتجنّب الخوض فيه لسنوات، يتمثل في شبكة واسعة من الكيانات والجمعيات “الرمادية” التي تنشط داخل أوروبا دون إعلان صريح عن ارتباطها التنظيمي بالجماعة.
وينص القرار على دعوة المفوضية الأوروبية إلى الشروع في إجراءات تهدف إلى إدراج حركة الإخوان المسلمين وقياداتها على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، إلى جانب إجراء تقييم قانوني وواقعي للشبكة العابرة للحدود المرتبطة بالجماعة داخل دول الاتحاد الأوروبي.
إشارة سياسية… وأسئلة تنفيذية
ورغم الطابع غير الإلزامي للنص، يرى مراقبون أن القرار يمثل تحولًا سياسيًا مهمًا في مقاربة فرنسا وأوروبا عموماً لملف الإخوان، إذ لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يطرح أسئلة جوهرية حول قدرة الدول الأوروبية على التعامل مع بنى تنظيمية غير واضحة المعالم، تتحرك تحت عناوين دينية وثقافية واجتماعية، وتتجنب التعريف القانوني المباشر.
وفي هذا السياق، قال الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية بيير بيرتيلو، في حديثه إلى سكاي نيوز عربية، إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في قرار التصنيف بحد ذاته، بل في طبيعة الكيانات المرتبطة بالإخوان داخل فرنسا وأوروبا، والتي تعمل من دون أن تعلن نفسها فروعًا للتنظيم.
وأوضح بيرتيلو أن هذه الجمعيات «تحمل أسماء مختلفة، ولا تعترف رسميًا بدعمها للإخوان، رغم قربها الفكري أو التنظيمي منهم»، ما يجعل مسألة التصنيف القانوني والتجريم شديدة التعقيد، مضيفًا: «حتى في حال اعتماد هذه المشاريع، يبقى السؤال الأساسي: هل سيؤدي ذلك فعليًا إلى تغيير المعطى الميداني في ظل غياب أي اعتراف صريح بالانتماء؟».
من التصنيف إلى التطبيق
ولا تتوقف التحديات عند حدود التعريف القانوني، إذ يلفت بيرتيلو إلى إشكاليات إضافية تتعلق بآليات التنفيذ والمحاسبة، خصوصًا في حال توقيف أفراد يُشتبه بارتباطهم بالتنظيم. فعدد من هؤلاءــ بحسب الخبيرــ «غير فرنسيين ويحملون جنسيات دول أخرى»، ما يفتح ملفات معقدة تتصل بالترحيل والتعاون مع دول المنشأ، وهي قضايا سبق أن أثارت توترات سياسية وقانونية داخل أوروبا.
ما بعد مرحلة الإنكار
ويرى بيرتيلو أن أوروبا لم تعد اليوم في مرحلة «غض الطرف» عن هذا الملف، لكنه يذكّر بأن سنوات طويلة من الإنكار السياسي سادت بعد هجمات باريس ونيس في عامي 2015 و2016، حين جرى التقليل من الربط بين بعض الأيديولوجيات الدينية المستوردة وظاهرة الإرهاب.
وشدد الخبير الفرنسي على أن تجاوز الإنكار لا يكفي وحده، محذرًا من الاكتفاء بمقاربة أمنية ضيقة، وداعيًا إلى تبني مقاربة أشمل تقوم على إدماج الأفراد في الفلسفة الجمهورية الفرنسية وقيمها، مع احترام الخصوصيات الدينية ضمن الإطار العام للقانون.
قرار قوي… لكن غير كافٍ
ويخلص بيرتيلو إلى أن فرنسا تواجه «مشكلة مركبة»، تتمثل في تغلغل أيديولوجيات دينية متطرفة عبر هياكل غير مرئية، في ظل نقص الأدوات القانونية وضبابية مشاريع القوانين. وبينما يشكل تصويت البرلمان إشارة سياسية قوية، فإنه يظل غير كاف ما لم يُترجم إلى سياسات تنفيذية واضحة على المستويين الوطني والأوروبي، قادرة على التعامل مع التنظيمات «المرئية وغير المرئية» التي تنشط داخل القارة.
أبرز بنود قرار البرلمان الفرنسي
التأكيد على أن حركة الإخوان المسلمين تمثل تهديدًا أيديولوجيًا عالميًا للمبادئ الأساسية للاتحاد الأوروبي، بسبب دعوتها إلى انفصالية سياسية–دينية تتحدى سيادة القوانين المدنية.
دعوة المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي إلى إجراء تقييم قانوني وواقعي لشبكة الإخوان العابرة للحدود وتشعباتها وأساليب عملها داخل أوروبا.
المطالبة بتشديد الرقابة الصارمة على التمويلات الأوروبية قبل وبعد تخصيصها، لضمان عدم استخدامها في الترويج المباشر أو غير المباشر لأيديولوجيات انفصالية أو في ممارسات اختراق مؤسسي.
اشتراط أن يستند أي تقييم إلى معايير الموقف المشترك للمجلس الأوروبي لعام 2001، ولا سيما ما يتعلق بالدعم المباشر أو غير المباشر للإرهاب أو تبرير العنف السياسي.
دعوة المفوضية الأوروبية إلى تقديم اقتراح رسمي لإدراج حركة الإخوان المسلمين وقياداتها على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، بسبب أيديولوجيتها التخريبية وخطابها المحرض على الكراهية.
الدعوة إلى الاعتراف القانوني بالبُعد السياسي لما يُوصف بالانفصالية الإسلامية، لمواجهة التخريب المؤسسي الذي يُمارس تحت غطاء جمعيات دينية أو ثقافية أو تعليمية أو خيرية.
تعزيز التعاون بين أجهزة الاستخبارات والسلطات القضائية في الدول الأعضاء لتوصيف أدق لشبكات الإخوان وتمويلها وروابطها السياسية ودورها في مسارات التطرف.
بهذا القرار المتخذ في الشهر الماضي، تدخل أوروبا مرحلة جديدة في التعامل مع ملف الإخوان المسلمين، مرحلة لا تختبر فقط الإرادة السياسية، بل أيضًا قدرة المنظومة القانونية الأوروبية على مواجهة تنظيمات تتحرك في المساحات الرمادية بين العمل المدني والنشاط الأيديولوجي المنظم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.