جاء البيان الختامي لتحالف «صمود» عقب جولته الأوروبية بلغة مصقولة ومهذبة، تعج بتعابير إيجابية توحي بالحراك والقبول الدولي، وكأن المشهد يسير نحو انفراج وشيك. لكن عند تفكيك النص سياسيًا، يتكشف فارق واضح بين الزخم البروتوكولي في القاعات والمطارات، وبين التأثير الفعلي داخل السودان حيث تستمر الحرب بلا تغيير يُذكر. البيان نجح في تأكيد أن القوى المدنية ما زالت حاضرة في المشهد الخارجي، وتعرف طرق أبواب العواصم الكبرى، لكنه لم يجب على السؤال الجوهري: ماذا تبدّل في مواقف أوروبا عمليًا بعد هذه الجولة؟
من حيث الشكل، تحرك الوفد بفاعلية، فالتقى برلمانيين وخبراء ومؤسسات بحثية ومنصات إعلامية. غير أن السياسة لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا بعدسات الكاميرات. غابت القرارات الملزمة، ولم يظهر أي مسار ضغط واضح أو جدول تنفيذي أو التزام يمكن مساءلة الشركاء الدوليين عليه لاحقًا. هكذا بدت الجولة أقرب إلى تثبيت الوجود الخارجي منها إلى تحقيق تحول ملموس في مسار الصراع.
عاد البيان لتكرار الدعوات المعهودة لوقف إنساني مؤقت وربطه بعملية تفاوضية. المشكلة في السودان لم تكن يومًا نقصًا في المبادرات، بل غياب وسائل إلزام تحوّل الأقوال إلى أفعال. هذه العبارات فقدت أثرها لأنها لم تقترن بآليات مراقبة أو عقوبات واضحة. من دون أدوات تنفيذ، تظل النداءات مجرد صدى يتلاشى في ضجيج الحرب.
أبرز ما ورد في البيان كان المطالبة باعتبار المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية تنظيمات إرهابية. سياسيًا، يحمل الطرح دلالة قوية ورسالة حادة، لكنه قانونيًا يواجه مسارات معقدة تتطلب أدلة دامغة وإجماعًا دوليًا واسعًا، وهو أمر غير متوفر حاليًا. بهذه الصيغة، يبدو المطلب أقرب إلى إعلان موقف سياسي منه إلى خطة قابلة للتطبيق.
ترؤس الدكتور عبد الله حمدوك للوفد منح الجولة وزنًا رمزيًا مهمًا. فالرجل ما يزال يمثل بالنسبة للغرب صورة القائد المدني الهادئ القادر على طمأنة الشركاء الدوليين. هذه الميزة سهلت اللقاءات وأضفت شرعية معنوية، لكنها لم تُنتج بالضرورة إرادة أوروبية حاسمة. أوروبا تنظر إليه كوجه معتدل للاستقرار المحتمل، لا كفاعل قادر على فرض معادلات جديدة. ومع مرور الوقت، تتحول الرمزية إذا لم تُدعّم بأدوات تنظيمية وبرامج ضغط جماهيري إلى صورة ثابتة بلا تأثير.
يظهر البيان وكأنه يراهن على حسّ إنساني دولي يدفع أوروبا للتحرك. غير أن السياسات الأوروبية اليوم محكومة بحسابات الأمن والهجرة والطاقة. لم تنجح الجولة في تحويل مأساة السودان إلى ملف يرتبط مباشرة بمصالح تلك الدول، ما جعل الاستجابة أقرب إلى التعاطف اللفظي منها إلى المبادرات الجادة.
قراءة قانونية لما بين السطور الاجتماعات رفيعة المستوى تندرج ضمن ما يُعرف بالدبلوماسية الاستشارية، وهي بطبيعتها غير ملزمة ما لم تُوثق باتفاقات تنفيذية. الحديث عن وقف إطلاق النار يدخل ضمن قواعد القانون الإنساني، لكنه يبقى بلا قيمة إذا لم تُنشأ آليات رقابة مستقلة. أما الدعوات للمحاسبة، فعلى أهميتها، فقد افتقرت لإشارات واضحة إلى مسارات قضائية محددة مثل المحكمة الجنائية الدولية أو لجان تحقيق ذات تفويض قوي. حتى العبارات العامة التي تصف الاستجابة الدولية بالإيجابية تبقى تعبيرات إنشائية لا تُبنى عليها سياسات أو التزامات.
خلاصة القول جولة «صمود» حافظت على حضور المدنيين في المشهد الدولي وقدمت صورة دبلوماسية محترمة، لكنها لم تُحدث اختراقًا سياسيًا يغيّر قواعد اللعبة. في زمن الحروب المفتوحة، لا تكفي الرمزية وحدها لوقف العنف. المطلوب أدوات ضغط حقيقية، وبرامج توحّد الصف المدني، ورؤية تجعل الخارج شريكًا مضطرًا لا مجرد متعاطف عابر. فالسلام لا يصنعه الخطاب الناعم وحده، بل القدرة على تحويل الكلمات إلى معادلات تفرض نفسها على أرض الواقع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.