طائرة سودانير اليتيمة في مسرح الجريمة

أسماء محمد جمعة

قبل ايام، احتفلت حكومة الامر الواقع بعودة الطائرة الوحيدة التي نجت من جريمة (الشفشفة) التي تعرضت لها شركة سودانير مع سبق الاصرار والترصد من قبل نظام الحركة الاسلامية الذي ما زال يحكم البلد يمارس ذات الجريمة .
استقبلت الطائرة في مطار الخرطوم المدمر، والذي يقف شاهدا على ما لحق بالسودان من خراب، ليس بسبب الحرب وحدها بل بسبب الفساد والظلم ايضا، و المطار نفسه ظل ولا يزال مسرحا لكثير من الجرائم .
الحكومة حولت عودة الطائرة اليتيمة الى مناسبة قومية، فحشدت بضع مئات من اعضائها الذين لا شغل لهم الا المشاركة في الحشود الدعائية وحشد المغيبين لزيادة العدد، ليبدو الامر وكأنه انجاز وطني قامت وهو في الحقيقة حدث عادي .
الطائرة العائدة هي واحدة من اسطول شركة سودانير التي كانت واحدة من اعمدة الخدمة المدنية، وضمن المؤسسات التي طالتها حملات التمكين والاقصاء التي تمت بناء على التمييز الايديولوجي، والتي أبعد خلالها أهل الخبرة والكفاءة والمهنيون الشرفاء ليحل محلهم كوادر الحركة الاسلامية ليمارسوا الفساد بحرية تامة، وقد كان.
فبعد ذلك تم تفريغ سودانير من كل امكانياتها، كما حدث في مؤسسات النقل الاخرى: النهري، السكك الحديد، وخطوط الملاحة البحرية وحتى النقل العام.
ثم بدأ الانهيار: طائرات اختفت، اصول سرقت، وخطوط بيعت، بينما ظهرت شركات خاصة بديلة يملكها كوادر الحركة الاسلامية الذين ظهروا فجأة كاثرياء وملاك شركات طيران ونقل بمختلف اشكاله.
كبرت تلك الشركات وتعددت وازدهرت في الوقت الذي انحدرت فيه شمس سودانير نحو المغيب.
وهكذا لم يبق من سودانير الا اسم في ذاكرة السودانيين يوقظ فيهم الالم والحسرة.
ابواق الدعاية والتضليل خرجوا يروجون للحدث العادي وكأن الحكومة اشترت اسطولا جديدا، محاولين حجب الحقيقة عن عيون الشعب كما تعودوا، حتى لا يتذكر الناس ان هناك جريمة اسمها تدمير سودانير تمت مع سبق الاصرار والترصد ، مع إنها جريمة لا يمكن نسيانها مهما فعلوا .
لم يسألوا لماذا عادت طائرة واحدة؟
واين ذهب بقية الاسطول؟
فعندما وصل نظامهم الى السلطة كان لدى سودانير اسطول معتبر، وكانت هناك خطط توسعة جاهزة.
لم يسألوا: لماذا لم تنفذ؟
ماذا حدث لبقية الطائرات وكيف اختفت؟
هل بيعت؟
هل نقلت؟
هل خرجت من الخدمة واصبحت خردة تم التصرف فيها؟
ام تحولت ملكيتها من الدولة الى كوادرهم فغيروا لونها واسمها بلون واسم شركاتهم؟
لم يسألوا كيف غاب الناقل الوطني وحلت محله شركاتهم الخاصة، ولم يسألوا حتى عن كيف نجت الطائرة اليتيمة العائدة الى مطار الخرطوم ؟
كل هذا تركوه وانصرفوا الى تعظيم الحدث وجعله نصرا عسكريا مؤزرا، تجلت فيه قدرة حزب الجيش المؤدلج على هزيمة ابنه الذي انجبه وسماه دعم سريع ثم تخلى عنه وقدمه قربانا فداء لبقاء الاسلاميين في السلطة واعاد تسميته بالمليشيا.
ابواق الدعاية الاعلامية قالوا: ان غدا ستعود طائرات أخرى لتهبط في مطار الخرطوم ، لكن ليس سودانير، فهؤلاء لا يخبرون الناس بالحقيقة المرة ، وهي ان شركة سودانير كناقل وطني لن تعود في ظل وجود (الكيزان ).
حتى هذه الطائرة الوحيدة لولا انهم يريدون استغلالها في حفل التضليل المقام على مسرح الجريمة ، لما سمحوا لها بالعودة ولبيعت في اقرب دلالة كخردة مثلما فعلوا مع باخرات الملاحة البحرية (نيالا – دنقلا – مروي – مريدي – شندي – ام درمان)، وكلها كانت بحالة جيدة لكنها بيعت كخردة ولا أحد يعلم فيما استفادت البلد من ثمنها.
ما يجب ان يعرفه الشعب السوداني هو ان هذا النظام المجرم اذا استمر في السلطة فان طائرة سودانير اليتيمة هذه والعائدة لتوها من الصيانة، هي ايضا ستختفي قريبا، ولن يعرف احد ماذا حدث لها، وقد تعود ضمن اسطول شركاتهم بلون واسم مختلفين دون ان يتعرف عليها احد، مثلما حدث مع بقية الطائرات ربما.
فما زالوا يمارسون الفساد و(الشفشفة) بحرية تامة ويشغلون الشعب بحرب سموها حرب كرامة اشعلوها عمدا لتمحو اثار جرائمهم من ذاكرته ، ونسوا أن الشعوب لا تنسى، والجرائم عندها لا تسقط.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.