في الحروب الطويلة، لا تكون الطائرات المسيّرة وحدها هي التي تحلّق فوق رؤوس المدنيين؛ بل تحلّق معها روايات متضاربة، واتهامات ثقيلة، وصمتٌ إقليمي قد يصبح بحد ذاته جزءًا من المشهد. اليوم، تتصاعد فرضية مثيرة للجدل حول سبع هجمات مزعومة على قوافل إغاثة داخل السودان، يُقال إنها نُفذت بمسيّرات تركية، انطلقت – وفق روايات متداولة – من الأراضي المصرية، وبتمويل قطري، وسط غياب إدانات سعودية واضحة في توقيتها. وبين الحقيقة التي لم تُحسم بعد، والسرديات التي تتضخم في الفراغ، يجد السودانيون أنفسهم مرة أخرى في قلب لعبة إقليمية معقّدة.
القضية هنا ليست فقط في صحة هذه الاتهامات من عدمها، فذلك شأن التحقيقات الدولية المستقلة التي لم تُنجز بعد، بل في ما تكشفه هذه الروايات عن طبيعة الحرب نفسها. السودان لم يعد ساحة صراع داخلي فحسب؛ بل أصبح مساحة مفتوحة لتقاطعات النفوذ والمصالح، حيث تتحرك القوى الإقليمية أحيانًا خلف الكواليس، وتُترك الشعوب لمواجهة النتائج.
فرضية انطلاق المسيّرات من الأراضي المصرية – إن ثبتت يومًا – ستعني أن حدود النزاع السوداني لم تعد محصورة داخل جغرافيته، بل امتدت إلى فضاءات إقليمية أوسع. لكن حتى الآن، تبقى هذه الفرضية بحاجة إلى أدلة تقنية قاطعة، لا مجرد قراءات سياسية أو تحليلات إعلامية. ومع ذلك، فإن مجرد تداولها يكشف حجم انعدام الثقة بين الأطراف، ويعكس مناخًا إقليميًا متوترًا يتغذى على الشكوك.
أما الاتهامات المتعلقة بالتمويل القطري، فهي جزء من معركة روايات تتقاطع فيها السياسة مع الاصطفافات الإقليمية. في غياب وثائق مالية معلنة أو تحقيقات قضائية دولية، تبقى هذه الادعاءات ضمن فضاء الجدل السياسي، لكنها في الوقت ذاته تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحرب السودانية لم تعد تُدار فقط بالبنادق، بل أيضًا بشبكات الدعم غير المباشر.
لكن العنصر الأكثر إثارة للنقاش هو ما وُصف بـ “الصمت السعودي”. فالدبلوماسية ليست فقط ما يُقال، بل أيضًا ما لا يُقال. غياب الإدانات العلنية في لحظات حساسة فتح الباب لتأويلات متباينة؛ بين من يراه سياسة توازن وانتظار اتضاح الحقائق، ومن يقرأه كفراغ سياسي ساهم في تضخم روايات متناقضة. في عالم الأزمات، التوقيت يصبح رسالة، والصمت قد يتحول – عن قصد أو دون قصد – إلى موقف يُعاد تفسيره لاحقًا بطرق متعددة.
وسط هذا كله، يبقى الخاسر الأكبر هو العمل الإنساني. فإذا ثبتت صحة استهداف قوافل الإغاثة، فإن ذلك لا يمثل فقط انتهاكًا للقانون الدولي، بل جريمة أخلاقية بحق شعب يقاتل من أجل البقاء. وإن لم تثبت، فإن انتشار الاتهامات دون تحقيقات حاسمة يخلق بيئة خصبة للتضليل، ويزيد من تعقيد فرص السلام.
الحرب في السودان كشفت هشاشة النظام الإقليمي أكثر مما كشفت قوة أطرافه. الجميع يتحدث عن الاستقرار، لكن القليل مستعد لتحمل كلفة تحقيقه فعليًا. وبين مسيّرات تحلّق في الظل، وبيانات تُكتب بلغة حذرة، يظل السؤال معلقًا: هل أصبح السودان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أم أن الحقيقة ما زالت مدفونة تحت ركام الحرب؟
الإجابة لن تأتي من مقالات الرأي وحدها، بل من تحقيقات شفافة، ومواقف سياسية واضحة، وإرادة دولية تضع حياة المدنيين فوق حسابات النفوذ. وحتى ذلك الحين، سيبقى السودانيون عالقين بين روايات متضاربة، بينما الحقيقة – مثل السلام – ما زالت تبحث عن طريقها إلى العلن.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.