الإخوان والفشل

عماد عبد الحافظ *

منذ السنوات الأولى لنشأة جماعة الإخوان وهي تخرج من صراع وتدخل في آخر، وتنتهي من محنة لتبدأ بغيرها، سنوات طويلة من الصراعات والصدامات عاشتها الجماعة، وما تزال تعيشها حتى اليوم، والغريب في الأمر أنّها لا تعتبر هذا أمرًا استثنائيًا، ولا نتيجة لخطأ أو عيب ما، لكنّها تراه شيئًا طبيعيًا، ونتيجةً حتميةً لا بدّ من حدوثها، وعلامةً على صحة الطريق!

تهيئة الأفراد للصدام

تعمل الجماعة على ترسيخ عدد من القناعات الأساسية داخل الفرد في إطار عملية التربية والإعداد التي تتم منذ انضمامه إليها، والتي تهدف إلى تشكيل شخصيته بالشكل الذي يتوافق مع طبيعتها وطبيعة أهدافها، ومن القناعات المهمة التي يتم العمل على ترسيخها منذ البداية والتي تستمر طوال وجود الفرد في الجماعة، هي أنّ الفرد بما أنّه أصبح عضوًا في جماعة الإخوان؛ فإنّه لا بدّ أن يتعرّض لأزمات وابتلاءات، وأنّ الجماعة سوف تدخل في صراعات وصدامات بشكل مستمر.

يذكر أحد أعضاء الجماعة السابقين أنّ أحد القيادات التربوية كان يتحدث معهم ذات مرة، وقال لهم: “هبْ أنّ أحدًا أخبرك بأنك إن مشيت في طريق ما فإنك سوف تجد حيوانًا مفترسًا يهاجمك في مكان كذا، ثم بعدها ستجد حفرة في مكان كذا، ثم تجد ظلامًا دامسًا في مكان كذا، وهكذا يظل يصف لك الطريق بدقة؛ فإنك إذا مشيت فيه ووجدت كل ما أخبرك به ذلك الشخص، فسوف تتأكد حينها من صدقه ومن أنك تسير في الطريق الصحيح، ولو أنك لم ترَ ما أخبرك به، لشككت في الطريق، وظننت أنك تسير في طريق خاطئ، وهذا ما حدث مع الإخوان بالفعل؛ فقد أخبرنا البنا بأننا في طريق الدعوة سوف نتعرض لصعوبات وعقبات وإبتلاءات وسجون… إلخ، ولو أننا لم نرَ ذلك ونحن في الجماعة، لما تأكدنا من صحة الطريق الذي نحن فيه. ثم استشهد ذلك القيادي بعدها بقول البنا في رسالة بين الأمس واليوم: “أحبّ أن أصارحكم أنّ دعوتكم ما زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة… وستدخلون بذلك في دور التجربة والامتحان، فسوف تُسجنون وتُعتقلون وتُقتلون وتُشرّدون، وتُصادر مصالحكم وتُعطّل أعمالكم وتُفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان، ولكنّ الله وعدكم من بعد ذلك كله نصر المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين.”

ولا يُعدّ الابتلاء في “فقه الجماعة” أمرًا طبيعيًا أو حتميًا فقط، لكنّه يُعدّ أحد المعايير التي على أساسها يتم تقييم الفرد من حيث قوة إيمانه وصلاحيته لموقع القيادة داخل الجماعة، فكما أنّ الإبتلاء ـ عمومًا ـ يرفع درجة الإنسان في الآخرة ويُكّفر عنه ذنوبه، فإنّ ما يصيب الإخوان من ابتلاءات في إطار التنظيم قد يكون سببًا في علوّ منزلة الفرد التنظيمية، وقد تكون كثرة المحن التي تعرّض لها وعدد سنوات السجن التي قضاها سببًا في أهليته للوصول إلى مناصب قيادية داخل الجماعة، إذ أنّها تُعتبر، من وجهة نظرهم، دليلًا على الإخلاص وقوة الإيمان والثبات على المبدأ.

تبرير الجماعة لعقيدة الصدام

تُقدّم الجماعة لأفرادها العديد من المبررات التي تفسّر لهم أسباب الصدام الذي يدخلون فيه باستمرار مع أطراف مختلفة، وأسباب تعرّضهم لمحن وابتلاءات طيلة وجودهم في الجماعة؛ ومن أبرز هذه التفسيرات أنّ الجماعة تعتبر نفسها ممثلة الإسلام في العصر الحديث، وامتدادًا للجيل الأول من الصحابة الذين قاموا بنشر الإسلام وإقامة الدولة الإسلامية، وأنّ كل من يسير في طريق الدعوة من الأنبياء والمصلحين لا بدّ أن يتعرّض للابتلاءات والمحن والأزمات المتكررة، وبالتالي فكلّ ما يواجه الإخوان من عقبات وكلّ ما يتعرضون له من أزمات هو أمر طبيعي ودليل على صحة منهجهم.

ومن التفسيرات أيضًا أنّ كلّ ما يقع فيه الإخوان من إخفاقات وأزمات، وحالة العجز التي تعيشها الجماعة دومًا عن تحقيق الأهداف الكبرى إنّما هو بسبب المؤامرات التي يحيكها “أعداء الإسلام” لها، وأنّها إحدى نتائج الصراع بين “الحق” الذي تمثله الجماعة و”الباطل” الذي يمثله خصومها. وفي إطار العمل على ترسيخ هذه الرؤية فإنّه يتم الاستشهاد بالعديد من النصوص الدينية وإنزالها على الجماعة، مثل قوله تعالى: “أحسب الناس أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون”، وقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “ما جاء أحد بالذي جئت به إلّا عودي”، وغيرها من الآيات والأحاديث الأخرى.

وتُقدّم الجماعة تبريرًا لعقيدة الصدام هذه بأنّها نتيجة طبيعية لرفض الأنظمة الحاكمة للاستجابة لمطلب الجماعة بتطبيق الشريعة وفق رؤيتها، على اعتبار أنّ فهم الجماعة للإسلام هو الفهم الصحيح الذي يجب أن تطبقه الحكومات ويتقبله المجتمع سواء بإرادته أو رغمًا عنه. ويذكر الدكتور عبد العظيم رمضان في كتاب “الإخوان المسلمون والتنظيم السرّي” ما قاله حسن البنا في إحدى مقالاته معبّرًا عن هذا المعنى، حيث يقول البنا: “والآن أيّها الإخوان قد حان وقت العمل، وآن أوان الجد، ولم يعد هناك مجال للإبطاء، فإنّ الخطط توضع والمناهج تُطبق، ولكنّها لا تؤدي إلى غاية ولا ينتج ثمرها، والزعماء حائرون والقادة مذبذبون متأرجحون. سننتقل من دعوة الكلام فحسب إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال، سنتوجه بدعوتنا إلى المسؤولين من قادة البلد وزعمائه، وسندعوهم إلى منهجنا، ونضع بين أيديهم برنامجنا، فإنّ أجابوا الدعوة آزرناهم، وإن لجؤوا إلى المواربة وتستروا بالأعذار الواهية، فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام، سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولاهوادة…، اليوم ستخاصمون هؤلاء جميعًا في الحكم وخارجه، إن لم يستجيبوا لكم ويتخذوا تعاليم الإسلام منهاجًا يسيرون عليه، فإمّا ولاء، وإمّا عداء.”

ثم يبين البنا للإخوان في نهاية المقال أنّ نتائج ذلك تعرّضهم للاضطهاد والسجون والابتلاء في النفس والمال، ويخيّرهم بين المضي مع الجماعة أو الخروج منها، ويتوعد الخارجين بلقاء قريب في ميدان النصر!

كما أنّ هناك سبب آخر خفي وراء سعي الجماعة لترسيخ عقيدة الصدام، وهو أنّها تريد بذلك تبرير كل فشل وإخفاق تقع فيه، ونفي أيّ خطأ أو قصور عن قياداتها يتسبب في هذا الفشل أو يكون سببًا في أزمات ومحن، وصرف انتباه الأفراد عن محاسبة تلك القيادات أو حتى توجيه اللوم لها، أو سؤالها عن أسباب ما تتعرّض له من فشل وأزمات.

آثار سلبية لعقيدة الصدام

من أبرز النتائج السلبية التي تترتب على رسوخ هذه العقيدة لدى أعضاء الجماعة أنّها تحول دون تطرق الشك إليهم في أفكارهم أو منهجهم أو ممارساتهم، ومن ثم عجزهم عن إدراك الأخطاء والعيوب الموجودة لديهم، وعدم إجراء النقد الذاتي الذي يُسهم في تصحيح المسار، ورفض أيّ نقد من خارجهم واعتباره هجومًا عليهم ومؤامرة ضدهم، بل على العكس من ذلك، فإنّ ما يحدث عند كلّ أزمة أو فشل أو محنة هو أنّهم يتمسكون أكثر بأفكارهم ومنهجهم باعتبارهما الحقيقة المطلقة، لأنّهم يعتبرون المحنة والابتلاء علامة على صحة الطريق، فيمضون في طريقهم غير مبالين بما حدث، فيكونون كالأصم الذي يعبر طريقًا لا يسمع فيه أصوات الإنذارات التي تطلقها السيارات المارة، حتى تصدمه إحداها وتلقي به على قارعة الطريق جثة هامدة وهو ما يزال حتى آخر لحظة يظن أنّه يسير على الطريق الصحيح!

بل إنّ جماعة الإخوان، على عكس الطبيعة السويّة للنفس البشرية التي تحاول إخفاء آلامها وأحزانها عن الناس، وتحبّ ألاّ يراها أحد في موقف ضعف قد يقلل من كبريائها وكرامتها، فإنّ الجماعة تستلذ بعذاباتها وآلامها، وتتفنن في إبراز معاناة أفرادها وأحزانهم، وتبذل كل جهد لتحقيق أقصى استفادة من المحن التي تتعرّض لها، لتكسب بذلك تعاطفًا شعبيًا وانتشارًا مجتمعيًا، وامتدادًا تنظيميًا يتغذى على الآلام.

وعقيدة الصدام هذه تعكس عدة عيوب في عقل الجماعة؛ منها أنّها تعكس خلطًا لديها بين نفسها وبين الدين، فالاعتقاد بأنّ الجماعة تمثل الدين يجعلها تستبعد وجود علاقة بين ما يحدث لها من أزمات وبين وجود خطأ أو عيب فيها، لأنّ الإقرار بالخطأ هنا يعني اتهامًا للدين بالقصور، ممّا يستتبع استبعاد الخطأ، وردّ كل أسباب المحن والأزمات إلى “طبيعة الطريق”.

الأمر الآخر أنّ هذه العقيدة تعكس خلطًا لدى الجماعة بين مفهومي المحنة والفشل؛ فالمحنة هي متاعب يلقاها الشخص على الطريق الصحيح الذي سلكه نتيجة اجتهاد واعٍ وخطوات مدروسة، ولا تكون صورتها بالضرورة السجن والقتل والتشريد الذي يحدث بشكل دائم ومتكرر، بينما الفشل ناتج عن خطأ يحول دون الوصول إلى الهدف.

إنّ بذل الجهود ليس كافيًا لبلوغ الأهداف ما لم تكن في الطريق الصحيح، كما أنّ كثرة المحن والابتلاءات لا تدلّ بالضرورة على صحة الطريق، وقد بذل الإخوان من الجهد الكثير، ولكنّه ذهب هباءً، فلم يقيموا دولتهم، ولم يحققوا خلافتهم، ولم يصبحوا أساتذة العالم كما كانوا يهدفون، ولكنّ المحصلة كانت استنزاف الطاقة، ليس طاقة الجماعة فحسب، ولكن طاقة كل مجتمع كان قدره أن تعيش جماعة الإخوان فيه!

*  كاتب مصري

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.