مقتطفات من كتاب (آدم مادبو — رمز النزاهة وأيقونة النضال الوطني)
للكاتب والمؤلف الدكتور الوليد آدم مادبو.
دكتور آدم محمود موسى مادبو
رمز النزاهة وأيقونة النضال الوطني
الدكتور آدم محمود موسى مادبو أحد أبرز رجالات الدولة السودانية في النصف الثاني من القرن العشرين، جمع بين التكوين الأكاديمي الصارم، والخبرة التنفيذية الرفيعة، والمكانة الاجتماعية الراسخة، مع التزام ثابت بالنهج المدني الديمقراطي والدولة المؤسسية.
حين ينسحب الحكماء بصمت… يختل ميزان الوطن
لم يكن آدم موسى مادبو رجلَ صخبٍ ولا صاحبَ لافتةٍ عالية؛ كان من أولئك الذين إذا حضروا استقام الكلام، وإذا صمتوا صار الصمتُ قيمةً ووسامًا. عاش طويلًا، لا بعدد السنين، بل بعمق المواقف، وخرج من السياسة كما دخلها: نظيف اليد، مستقيم الظهر، خفيف الحمل إلا من وطنٍ أثقله الخذلان.
كان من القلّة التي جعلت النزاهة شرطًا للانخراط في الشأن العام، لا شعارًا يُستدعى عند الحاجة. لم يرَ السياسة مهنةً تُدرّ الامتياز، بل خدمةً مؤقتةً عالية الكلفة، ولذلك عاش من كسب يده، مؤمنًا بأن الاستقلال المعيشي هو أول أبواب الاستقلال الأخلاقي، وأن من يقتات من السلطة يعجز عن محاسبتها.
وُلد في بيت قيادةٍ لا تعرف الابتذال؛ فهو ابن الناظر محمود موسى مادبو، زعيم الرزيقات، لكنه اختار أن تكون زعامته مدنيةً أخلاقية، لا قبلية، وقومية، لا عصبوية. حمل اسم الأسرة الثقيلة دون أن يتخفّى وراءها، ومضى إلى الدولة لا ليملكها، بل ليخدمها.
يحكى أنه في إحدى زياراته لوالده، حين كان وزيرًا للدفاع، أسرع بخلع نعاله من مسافة احترامًا لتقاليد القبيلة؛ التمس الناظر العذر لبقية أعضاء الوفد، لكنه لم يعف ابنه لاحقًا من حمل الإبريق ليُساعد الضيوف على غسل أيديهم بعد تناول الطعام. قد تبدو هذه الوقفات صغيرة، لكنها تنطق بمعانٍ جليلة؛ فهي تكشف عن رجلٍ صاغته بيئة تربوية ونفسية جعلت التواضع والنبل والاحترام رفقاءه الدائمين، لتصبح الأخلاق عنده معيارًا لكل فعل مهني، لا شعارًا يُرفع عند الحاجة.
كان آدم مادبو مهندسًا قبل أن يكون وزيرًا، والعمران عنده لم يكن استثمارًا حضريًا فقط، بل تصورًا للدولة: نظام، وقانون، وتوازن دقيق بين السلطة والمسؤولية. حاضر في كلية الهندسة بجامعة الخرطوم، فور تخرجه ونيله الدكتوراه في الهندسة المدنية من الولايات المتحدة الأمريكية، وأدار معهد أبحاث البناء، ثم أُخرج من الجامعة قسرًا حين وقف — بكرامة الأستاذ — في وجه الرصاص الذي وُجّه إلى صدور الطلاب في ثورة شعبان. حمل عريضة الأساتذة إلى القصر، فعاد منها إلى سجن كوبر. ستة أشهرٍ من السجن طرد على إثرها من الجامعة، بيد أنه ازداد قناعة بأهمية الديمقراطية وحتمية الدولة المدنية.
وحين تولّى وزارة الدفاع في 1967، لم ينظر إلى الجيش كأداة حكم، بل كعمود سيادة وعهدة شعب. شهدت القوات المسلحة في عهده طفرة حقيقية وتسليحًا نوعيًا غير مسبوق، أسّس لمرحلة جديدة من الاحتراف والتحديث، وربط القوة العسكرية بالانضباط المؤسسي لا بالولاء السياسي. لذلك ظلّ في الوعي العسكري السوداني أيقونةً ورمزًا وطنيًا خالدًا، لا بما قال، بل بما أنجز، وبالمعيار المهني الذي تركه لما بعده.
وعند عودته من موسكو، تسلّم آدم موسى مادبو من القائد العام ورئيس هيئة الأركان آنذاك، الفريق محمد أحمد الخواض، رسالةً خطية من السيد الصادق المهدي، دعت القوات المسلحة إلى التدخل واستلام السلطة، في خضم الخلاف السياسي الذي كان قائمًا حينها بينه وبين رئيس الوزراء محمد أحمد المحجوب. لم يتعامل مادبو مع الرسالة كتكليف، بل كإنذار مبكر بانزلاق الدولة إلى هاوية الانقلابات. جمع قادة الجيش، ووضع الرسالة أمامهم بلا مواربة، ثم قال كلمته التي حسمت الأمر: مهمة القوات المسلحة حماية الدستور لا مصادرته، وصون السياسة من السلاح لا إخضاعها له. عندها انطفأت شرارة الفتنة في مهدها، لا بالقوة، بل باستعادة المعنى: جيشٌ للبلاد، لا طرفًا في صراعها.
وفي لحظة قومية فارقة، كان آدم مادبو مرافقًا للرئيس جمال عبد الناصر في مؤتمر اللاءات، ممثلًا لسودانٍ كان يحلم بموقعه الطبيعي في قلب الأمة لا على هامشها. لقد التزمت القيادات الديمقراطية في السودان، في أكثر لحظات الإقليم حساسية، بنهج داعم لمصر، انطلاقًا من إدراكٍ مبكر لتشابك المصالح التاريخية والجيوسياسية بين البلدين. غير أن هذا الرصيد من حسن النية اصطدم، في مراحل متلاحقة، بمقاربات أمنية أضرّت بمسار التحول الديمقراطي، وأسهمت في إجهاض تطلعات السودانيين في الاستقرار والإرادة الوطنية المستقلة.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة ليست إلى القطيعة أو الخصومة، بل إلى مراجعة صريحة تؤسس لعلاقة سودانية–مصرية متكافئة، قائمة على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يخدم مصالح الشعبين، لا مصالح النخب العسكرية الضيقة في كلا البلدين.
وفي دارفور، ظلّ صوته صوت الحكمة في زمن التوتر. وحين انتفض الإقليم عام 1981 احتجاجًا على تعيين حاكم من خارجه في عهد جعفر نميري، كان من الأصوات العاقلة التي دفعت نحو احتواء الغضب وإعادة الاعتبار للإرادة المحلية، ومن هذا المنطلق ساند تعيين السيد أحمد إبراهيم دريج حاكمًا للإقليم، بوصفه تعبيرًا عن حق دارفور في أن تُدار بأبنائها، لا بقرارات فوقية تُراكم الغبن وتعمّق الشقاق.
جاءت ثورة أبريل محمّلة بمطلبٍ جماهيريٍ صريح: تصفية آثار مايو، وكسر موجة الهوس الديني التي كرّستها قوانين سبتمبر بوصفها أداة قهر لا مشروع قيم إنساني أو عدل رباني. غير أن السيد الصادق المهدي أخفق في تحويل هذا الزخم إلى مسار استراتيجي لإعادة تأسيس الدولة؛ ففضّ ائتلافه مع الاتحادي، واختار التحالف مع الجبهة الإسلامية القومية، مفضّلًا حسابات التكتيك الآني على مقتضيات التحول التاريخي. وهو الخلل ذاته الذي حكم موقفه من اتفاقية الميرغني–قرنق، حين ضيّع تسوية كانت قادرة على قطع الطريق أمام الحروب الطويلة ومنطق الإبادة، لصالح إدارة مؤقتة للأزمة لا حلّها من جذورها.
وفي الديمقراطية الثالثة، عاد آدم مادبو إلى الوزارة من باب الطاقة والتعدين في عام 1986، لا ليغنم منصبًا، بل ليواصل إيمانه القديم بأن السلطة وظيفة لا غنيمة. كان قد قاد الحملة الانتخابية لحزب الأمة القومي في إقليم دارفور الكبرى، محققًا إنجازًا انتخابيًا لافتًا، إذ حصد الحزب غالبية دوائر الإقليم، في واحدة من أنجح التجارب الانتخابية التي التقت فيها السياسة مع الحس الاجتماعي، والخطاب الوطني مع الواقع المحلي.
داخل حزب الأمة، بلغ أعلى المراتب نائبًا للرئيس وعضوًا في أمانته العامة، ثم رئيسًا للمكتب السياسي الموسّع الذي قاد العمل السري إبّان عهد الإنقاذ حتى سقوطه. ومع ذلك، ظلّ أكبر من التنظيم، وأوسع من الحسابات الحزبية. آمن بالإصلاح من الداخل، وبالشرعية الانتخابية، ورفض القفز على المؤسسات أو مصافحة الانقلابات.
وحين تحالف الصادق المهدي مع الجبهة الإسلامية القومية، اختار مادبو أن يقول «لا» بصوتٍ منخفض، لكنه نهائي. لم يخاصم، ولم يزايد، بل انسحب بخطوة رجلٍ أدرك أن السياسة، إذا فقدت أخلاقها، صارت ضربًا آخر من العنف.
لم يحمل سلاحًا، ولم يؤمن بالمعارضة المسلحة، وبقي وفيًا للخط المدني السلمي حتى وهو يُساق ليلًا في “بوكس” الإنقاذ إلى سجن كوبر، بعد أن اقتُحم منزله ظلمًا من قبل عسعس الإنقاذ بقيادة إبراهيم شمس الدين. مدةٌ في السجن وعسفٌ في المعاملة، لم تكن كافية لكسر يقينه بأن الدولة لا تُبنى على فوهة بندقية ولا على منابر الخطب الدينية.
وحين حاولت الإنقاذ تحويل القبيلة إلى أداة في مشروع الإبادة الجماعية، وقف — مع شقيقه الناظر سعيد محمود موسى مادبو — سدًا أخلاقيًا منيعًا، رافضًا الزجّ بنظارة الرزيقات في محرقة الدولة، محافظًا على وحدة الأسرة، وشرف الكيان الأهلي، في وجه الإغراء والتهديد معًا.
كان آدم موسى مادبو خلوقًا، ودودًا، وقورًا، صبورًا، شكورًا، حليمًا، قليل الكلام، عالي المقام؛ رزين الطبع، أمين السيرة، قنوعًا يرى الاكتفاء شرط اليقين، والعفاف حِصنًا حَصينًا، فلا يغويه فائض المال، ولا تغرّه الوجاهة، ولا تحركه الأعذار لتجاوز ما يراه صوابًا؛ عاش بسيطًا في حياته، كبيرًا في مواقفه، محافظًا على استقلاله الداخلي، ومعلّمًا بسلوكه أن الأخلاق والضمير فوق كل اعتبار دنيوي.
أريب العقل، منيـب القلب، فلم تتحوّل صرامته الأخلاقية ولا مواقفه المبدئية إلى عزلةٍ أو قطيعة، بل ظلّت مصدر أريحيةٍ إنسانية، وعلاقاتٍ طيبة مع مختلف أطياف الوسط السياسي، في زمنٍ باتت فيه الأخلاق ذريعةً للإقصاء، والمبدئية ستارًا للخصومة.
من أولئك الذين يغادرون المشهد بلا ضجيج، لكنهم يتركون فراغًا أخلاقيًا لا يُملأ. وحين اعتزل السياسة، لم يعلن هزيمة، بل سجّل احتجاجه الأخير: انسحاب الحكيم حين تفشل النصيحة، وصمت العاقل حين يصبح الكلام تواطؤًا. رحل آدم موسى مادبو، وبقيت سيرته تذكيرًا موجعًا بأن السودان لم يكن فقيرًا في رجاله، بل مُفرّطًا في حكمائه.
رحم الله دكتور آدم مادبو رحمةً واسعة (2026–1936)، وجعل ما قدّم لوطنه في ميزان حسناته، وجزاه عن السودان وأهله خير الجزاء.
﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا۟ مَا عَاهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَيْهِۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبْدِيلًا﴾ الأحزاب: 23
——
مقتطفات من كتاب (آدم مادبو — رمز النزاهة وأيقونة النضال الوطني) للكاتب والمؤلف الدكتور الوليد آدم مادبو.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.