بين تشاد والسودان.. حدود مغلقة وشريان إغاثي مهدد في دارفور

تقرير: عين الحقيقة

أعلنت حكومة تشاد إغلاق حدودها مع السودان إغلاقاً كاملاً اعتباراً من 23 فبراير وحتى إشعار آخر، على خلفية ما وصفته بتوغلات وانتهاكات مرتبطة بالنزاع الدائر في السودان.

وأوضحت وزارة الاتصال التشادية، في بيان رسمي، أن القرار يهدف إلى منع امتداد النزاع إلى داخل الأراضي التشادية، وحماية المواطنين واللاجئين، والحفاظ على الاستقرار ووحدة وسلامة التراب الوطني، مع التأكيد على حق تشاد في الرد على أي اعتداء يمس حدودها.

وبموجب القرار، أُغلقت جميع المعابر الحدودية بين البلدين، وتوقفت حركة الأشخاص والبضائع بشكل كامل، مع الإشارة إلى إمكانية منح استثناءات محدودة لأسباب إنسانية بعد الحصول على إذن مسبق من الجهات المختصة.

يرى مراقبون أن الخطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الاعتبارات الأمنية، في ظل الترابط الاقتصادي والاجتماعي العميق بين المجتمعات على جانبي الحدود، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على التبادل التجاري اليومي وحركة العبور الموسمية.

ويُعد معبر أدري من أهم المنافذ الحدودية، إذ تمر عبره نسبة معتبرة من المساعدات الإنسانية الموجهة إلى المتضررين من النزاع في إقليم دارفور. ويحذر عاملون في المجال الإنساني من أن استمرار الإغلاق قد يعرقل تدفق الإمدادات الغذائية والطبية، ما يفاقم أوضاع آلاف الأسر التي تعتمد على المساعدات.

إلى ذلك، أفاد أحد العاملين في منظمة إغاثية بغرب دارفور- فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» بأن الإمدادات التي كانت تصل عبر أدري تمثل شرياناً أساسياً للنازحين في عدد من المحليات، مشيراً إلى أن أي تعطّل طويل الأمد سيؤدي إلى فجوة في المخزون الغذائي والدوائي خلال أسابيع قليلة. وأضاف أن بعض القوافل كانت تعبر بصورة منتظمة لتغذية مراكز الإيواء، وأن البدائل اللوجستية المتاحة حالياً «محدودة ومكلفة»، ما قد يؤثر في سرعة الاستجابة الإنسانية.

وفي مدينة الجنينة، عاصمة غرب دارفور، قال تاجر مواد غذائية إن الأسواق بدأت تشهد حالة ترقب وارتفاعاً تدريجياً في أسعار بعض السلع المستوردة من الجانب التشادي. وأوضح أن السكر والدقيق وزيت الطعام من أكثر السلع تأثراً، نظراً لاعتماد جزء من الإمداد على الحركة الحدودية.

كما أشار أحد سكان محلية كرينك إلى أن الأسر التي تربطها صلات قرابة عبر الحدود تجد نفسها اليوم في عزلة مفاجئة، لافتاً إلى أن «الحدود بالنسبة لنا لم تكن مجرد خط جغرافي، بل مساحة تواصل اجتماعي واقتصادي يومي».

وأكدت سيدة تقيم في منطقة حدودية أن إغلاق المعابر سيؤثر مباشرة على أسعار السلع الغذائية، مشيرة إلى أن كثيراً من التجار يعتمدون على استيراد بضائعهم من الأسواق التشادية. وأضافت أن أي توقف طويل للحركة التجارية قد يدفع بعض التجار إلى رفع الأسعار، لا سيما في ظل ضعف القدرة الشرائية للسكان.

اقتصادياً، يرى محللون أن استمرار الإغلاق قد ينعكس على سوق الصرف المحلي، مع توقعات بارتفاع قيمة الفرنك التشادي مقابل الجنيه السوداني إذا تقلصت تدفقات السلع والعملات عبر الحدود. كما قد يؤدي اضطراب الإمدادات إلى زيادة كلفة النقل واللوجستيات، ما ينعكس بدوره على أسعار السلع الأساسية.

ويحذر خبراء من أن المجتمعات الحدودية، التي تعتمد على أنشطة التجارة الصغيرة والرعي والتنقل الموسمي، ستكون الأكثر تضرراً في حال طال أمد الإغلاق، خصوصاً في ظل هشاشة البنية الاقتصادية المحلية.

ويأتي القرار في ظل تصاعد التوترات الأمنية على الشريط الحدودي، ما يضع السلطات أمام معادلة دقيقة بين ضرورات حماية الأمن القومي ومتطلبات الحفاظ على تدفق الإغاثة والسلع الأساسية. وتؤكد نجامينا أن الإجراء احترازي ومؤقت، غير أن سكان المناطق المتاخمة للحدود ينظرون بقلق إلى احتمالات استمراره لفترة طويلة، في ظل غموض المشهد الميداني داخل السودان.

ويرى متابعون أن أي إغلاق ممتد قد يدفع إلى تنشيط مسارات غير رسمية للتهريب، وهو ما قد يخلق تحديات أمنية إضافية ويزيد من صعوبة ضبط الحدود مستقبلاً.

ويكشف قرار إغلاق الحدود عن هشاشة الواقع الإنساني والاقتصادي في الإقليم، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن مع احتياجات ملايين المدنيين الذين يعيشون على هامش الصراع. وبينما تسعى تشاد إلى تحصين حدودها من تداعيات النزاع، يظل سكان غرب دارفور والمناطق الحدودية أول المتأثرين بأي اضطراب في حركة التجارة والإغاثة.

ومع استمرار الحرب في السودان، تبقى فعالية هذا الإجراء رهناً بمدته وتطورات الأوضاع الميدانية، فيما يظل التحدي الأكبر هو إيجاد توازن يحمي الأمن دون أن يدفع المجتمعات الهشة إلى مزيد من المعاناة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.