من صراع عسكري إلى مشروع أيديولوجي.. هل يدفع الإخوان السودان نحو بؤرة إرهاب؟
تقرير: عين الحقيقة
تدخل الأزمة السودانية منعطفاً بالغ الخطورة مع تواتر مؤشرات تفيد بخروج النزاع من إطاره الداخلي، ليتحول إلى ساحة مفتوحة على احتمالات التدويل وتمدد الجماعات الإسلامية المتطرفة.
ومع تعثر جهود السلام، تتزايد المخاوف الدولية من أن يؤدي الفراغ الأمني والعسكري الناجم عن استمرار القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى تحويل البلاد إلى ملاذ آمن لتنظيمات متشددة عابرة للحدود، ما يعقّد فرص التسوية السياسية ويبدد آمال الحل السلمي في المدى القريب.
وفي تطور يعكس تحولاً في الخطاب الإعلامي والسياسي، أدلى العقيد المتقاعد إبراهيم الحوري، عضو الحركة الإسلامية، بتصريحات عبر قناة الجزيرة مباشر أقرّ فيها بوجود دعم من دول إقليمية للجيش في عملياته العسكرية.
واستند الحوري في تبريره لذلك إلى مفاهيم “الدفاع المشترك” وحق الدول في الاستعانة بحلفاء لحماية أمنها القومي وفقاً للدساتير والمواثيق الدولية.
ويرى مراقبون أن هذا الطرح يمثل انتقالاً من مرحلة النفي الدبلوماسي للتدخلات الخارجية إلى مرحلة التبرير القانوني والسياسي، بما يضفي طابعاً أكثر وضوحاً على الحديث عن اصطفافات إقليمية في الصراع.
على الجانب الآخر، صرّح رئيس المجلس الرئاسي لحكومة “تأسيس” الفريق أول محمد حمدان دقلو بأن الجيش لجأ إلى استجلاب مقاتلين أجانب ومرتزقة لتعزيز صفوفه. وأشار دقلو، في مخاطبة أمام الجالية السودانية في أوغندا، إلى استعانة الجيش بعناصر من حركة الشباب الصومالية المصنفة على قوائم الإرهاب.
ولا تتوقف المخاوف عند حدود حركة الشباب، إذ تتحدث تقارير صحفية وأمنية عن نشاط محتمل لتنظيم داعش في بعض المناطق النائية، مستفيداً من حالة السيولة الأمنية وضعف مؤسسات الدولة. ويخشى مراقبون من أن يؤدي ذلك إلى إنشاء معسكرات تدريب أو بؤر تنظيمية تهدد دول الجوار وأمن الملاحة في البحر الأحمر.
ويرى الباحث الرشيد أحمد عبد الكريم، من مركز الدراسات الاستراتيجية والأفريقية، أن حديث “الدفاع المشترك” يعكس تحوّل الحرب إلى صراع ذي أبعاد إقليمية أو بالوكالة. ويحذر من أن أي لجوء تكتيكي إلى جماعات راديكالية قد ينقلب على الأطراف المتحاربة نفسها، مستشهداً بتجارب إقليمية أفضت إلى نشوء كيانات مسلحة خارجة عن السيطرة في كل من مالي والصومال وسوريا.
ويجمع مراقبون على أن استمرار تدفق السلاح والمقاتلين عبر الحدود المفتوحة قد يؤدي إلى مزيد من التفكك، ويقوّض ما تبقى من مؤسسات الدولة الوطنية، في ظل تصاعد نفوذ فاعلين مسلحين غير نظاميين.
ويؤكد هؤلاء أن التدخلات الإقليمية ذات الطابع الأيديولوجي، سواء جرت تحت غطاء “الدفاع المشترك” أو عبر قنوات غير رسمية، تمثل عقبة رئيسية أمام إنهاء الحرب. كما يشددون على أن أي مسار جاد لاحتواء الأزمة يتطلب موقفاً دولياً أكثر حزماً لوقف تدفق السلاح والمقاتلين، ودعم مسار سياسي شامل يضع حداً لانزلاق السودان نحو مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
في ظل هذا المشهد المعقّد، تبدو حرب السودان وكأنها تغادر مربع الصراع الداخلي لتدخل مرحلة أكثر خطورة تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية مع أجندات الجماعات المتطرفة.. وبين اتهامات متبادلة واستقطاب خارجي متصاعد، تتراجع أولوية حماية الدولة والمجتمع لصالح منطق الغلبة العسكرية.
إن استمرار هذا المسار لا يهدد وحدة السودان فحسب، بل يفتح الباب أمام تحوّله إلى ساحة صراع عابر للحدود، بما يحمله ذلك من تداعيات أمنية على الإقليم بأسره. ويبقى الرهان الحقيقي على تحرك دولي وإقليمي جاد يوقف تدفق السلاح والمقاتلين، ويدفع نحو تسوية سياسية شاملة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية، قبل أن يصبح احتواء الأزمة أكثر كلفة وتعقيداً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.