مأزق الحركة الإسلاموية وحقيقة الأزمة في السودان‎‎‏..!!

خالد ابواحمد

في ظل ما يعيشه السودان من أزمات متراكمة، يكثر الحديث عن أسباب مأزق ‏الحركة الإسلاموية وسبل خروجها منه، غير أن اختزال هذه الأزمة في غياب النقد ‏الذاتي أو تجديد القيادة لا يعبّر عن حقيقة ما جرى، ولا يلامس حجم الضرر الذي ‏أصاب الدولة والمجتمع، وهو ما يستدعي توضيحًا صريحًا لهذه النقاط‎.‎
في حديثه لقناة «الجزيرة مباشر» مع الإعلامي أحمد طه قبل أيام، قدّم د. المحبوب ‏عبدالسلام قراءة لأزمة الحركة «الإسلامية» في السودان، محمّلًا إياها مسؤولية ‏ثلاث مسائل لم تُنجز بعد، على رأسها غياب النقد الذاتي لتجربة الحُكم، وغياب ‏الرؤية المتجددة، وعدم تجديد القيادة، ورغم أهمية الإشارة إلى هذه النقاط من حيث ‏المبدأ، فإن هذا الطرح يظل قاصرًا عن توصيف جوهر الأزمة وحجم الكارثة التي ‏تسببت فيها الحركة الإسلاموية للسودان وشعبه‎.‎
أولًا، من الضروري تصحيح الوقائع: الحركة الإسلاموية لم تحكم السودان ثلاثين ‏عامًا فقط، بل حكمته ستة وثلاثين عامًا، ولا تزال حتى اليوم تعمل بكل الوسائل ‏الممكنة لاستدامة حُكمها، سواء عبر السيطرة المباشرة أو من خلال إعادة إنتاج ‏نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية والاقتصادية‎.‎
ثانيًا، الحديث عن “أخطاء جسيمة” هو توصيف مخفف لا يلامس الحقيقة، هناك ‏فرق أخلاقي وقانوني شاسع بين الأخطاء والجرائم. ما ارتكبته الحركة الإسلاموية ‏في بلادنا ليس أخطاءً سياسية قابلة للمراجعة، بل جرائم مكتملة الأركان: إبادة ‏جماعية، جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، راح ضحيتها ملايين السودانيين، هذه ‏الوقائع لا تُعالَج بالنقد الذاتي ولا بالاعتذار الخطابي، بل بالمحاسبة والعدالة، محاولة ‏الالتفاف على هذه الحقائق أو إعادة توصيفها بلغة ناعمة هو إنكار صريح لمعاناة ‏الضحايا وتضحياتهم‎.‎
ثالثًا، ما يطرحه د.المحبوب بشأن تجديد القيادة أو تغيير النهج شأن داخلي، يخص ‏كوادر الحركة وحدهم، ولا يعني الشعب السوداني في شيء، هذا الشعب ذاق ‏الويلات ولا يزال يدفع ثمن حُكم هذه الحركة، التي دمّرت الأخلاق والسياسة ‏والاقتصاد والمجتمع، وأفرغت مؤسسات الدولة من مضمونها، لا يمكن تحت أي ‏ظرف، التعامل مع الحركة بوصفها تجربة سياسية قابلة للإصلاح أو المقارنة ‏بحركات أخرى في الخليج أو آسيا أو شمال أفريقيا. ما جرى في السودان حالة فريدة ‏في قسوتها ووحشيتها، سواء في التعامل مع البشر أو في نهب الموارد وتخريب ‏الاقتصاد الوطني، بما في ذلك تدمير الجهاز المصرفي والمؤسسات الإنتاجية، وهو ‏ما شهد عليه كثيرون، ومنهم كاتب هذه السطور‎.‎
رابعًا، يخلص د.المحبوب إلى أن عدم إنجاز هذه الخطوات سيُبقي الحركة في ‏مأزق، ويُبقي السودان في دائرة الأزمة، والحقيقة أن الشعب السوداني لم ولن ينتظر ‏من هذه الحركة أي “خطوات إصلاحية”، ولا اعتذار والفعل الثوري مستمر، ‏وحركة الوعي والتنوير تتسع يومًا بعد يوم، رغم محاولات تضليل الوعي التي ‏تمارسها الحركة عبر المال السياسي، المستمد من موارد الذهب وغيرها، والذي ‏يُضخ في حملات إعلامية منظمة، ويُصرف على أقلام مأجورة ومنصات تزييف، ‏داخل البلاد وخارجها، لتلميع صورة حركة فقدت أي شرعية أخلاقية أو سياسية‎.‎
خلاصة القول: إن الطريق إلى خلاص السودان لا يمر عبر إعادة تعريف الحركة ‏الإسلاموية أو تجميل خطابها أو انتظار صحوتها الأخلاقية، بل عبر القطع الكامل ‏مع تجربتها، واستعادة الدولة من قبضة مشروع دمّر الإنسان قبل المكان، العدالة ‏أولًا، والمحاسبة شرط، وبغير ذلك ستظل الأزمات تتناسخ مهما تغيّرت الوجوه ‏والشعارات‎.‎

والله غالب على أمره لكن أكثر الناس لا يعلمون..‏

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.