تصدع تحالف بورتسودان.. ضغوط السلام تفتح أبواب الصراع الداخلي وتنذر بليلة سواطير دموية

تقرير: عين الحقيقة

 

يقف تحالف بورتسودان، الذي يضم الجيش والحركة الإسلامية وحركات دارفور الموقعة على اتفاق جوبا للسلام «القوة المشتركة»، على صفيح ساخن، في ظل تزايد غير مسبوق للضغوط الدولية والإقليمية الرامية إلى إنهاء الحرب وتحقيق السلام في السودان.

وتشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن السلام الذي يطالب به المجتمع الدولي بات يمثل التهديد الأكبر لتماسك هذا التحالف، مما ينذر باندلاع صراع وشيك متعدد الاتجاهات والأسباب داخل المعسكر الواحد.

السلام.. الكابوس الذي يهدد الحلفاء

تتقاطع مصالح مكونات تحالف بورتسودان في استمرار حالة الحرب، وتتناقض جذريًا مع استحقاقات السلام، وهو ما يفسر حالة الرفض المبطن والمعلن لأي تسوية سياسية. وتتوزع أسباب هذا الرفض على عدة تقاطعات؛ إذ تنظر الحركة الإسلامية إلى أي اتفاق سلام بوصفه إجهاضًا مباشرًا لخطتها الاستراتيجية في العودة إلى مقاليد السلطة. فالسلام يعني، بالضرورة، العودة إلى مسار الانتقال الديمقراطي المدني، وهو المسار الذي يقلص نفوذها السياسي والعسكري الذي تمدد تحت غطاء الحرب.

ومن جهتها، ترفض حركات سلام جوبا (القوة المشتركة) المنضوية تحت التحالف فكرة السلام المطروح حاليًا؛ إذ تخشى أن تؤدي أي تسوية سياسية أو أمنية إلى تجريدها من المناصب والمكاسب والنفوذ العسكري والاقتصادي الذي حققته خلال فترة الصراع، مما قد يعيدها إلى مربع التهميش أو الدمج القسري.

ويرى مراقبون أن هذا التباين الصارخ بين متطلبات السلام الدولي ومصالح مكونات التحالف خلق بيئة مشحونة بالشكوك والتخوين. وتشير التوقعات إلى أن أي محاولة جادة لفرض السلام ستكون بمثابة عود ثقاب يفجّر صراعًا داخليًا لن يقتصر على طرفين، بل سيأخذ طابعًا متعدد الاتجاهات، حيث يسعى كل طرف إلى تحييد الآخر لضمان بقائه في مشهد ما بعد الحرب.

ليلة السواطير الطويلة المسمومة

يتوقع مراقبون نهاية تراجيدية ودموية لهذا التحالف. وفي هذا الصدد، يستحضر المحلل السياسي والصحفي محمد المختار مقاربة تاريخية، متوقعًا أن يشهد السودان ما أسماه «ليلة السواطير الطويلة المسمومة»، في إشارة إلى تصفية حسابات داخلية دموية قد تفوق في قسوتها حدث Night of the Long Knives التاريخي.

ويشير المختار، في تحليله للمشهد، إلى أن هذه الليلة لن تكون مجرد صفحة دموية تقليدية، بل محطة فاصلة تعيد تشكيل موازين القوة داخل المعسكر الواحد، عبر صراعات خفية ومواجهات مباشرة قد تعصف بالتحالف من داخله.

ويستند المختار إلى معلومات ومؤشرات متزايدة تعيد ترتيب المشهد على حقيقته، وتسقط عنه ستار تحالف الضرورة الذي جمع أطرافًا متباينة تحت ضغط الحرب. ويصف النهاية المتوقعة بأنها قد تتحول إلى صراع مفتوح داخل «بيت العنكبوت»، حيث تتبادل المكونات الضربات بوسائل متعددة، ما يؤدي إلى نزيف داخلي ينتهي بمواجهة دامية بين مكونات السلطة الحالية.

ويبدو أن التحالف الذي جمعته ضرورات الحرب في بورتسودان قد لا يصمد أمام استحقاقات السلام. فبينما يضغط المجتمع الدولي لإسكات البنادق، تتصاعد في الخفاء مؤشرات التوتر وإعادة التموضع استعدادًا لمعركة كسر عظم داخلية، ما يضع السودان أمام سيناريو معقد قد يكون فيه السلام الخارجي مجرد بداية لصراع سياسي حاد داخل المعسكر الواحد.

يكشف المشهد عن مفارقة قاسية؛ فالحرب التي جمعت الحلفاء تحت مظلة الضرورة قد تصبح، عند أول استحقاق جدي للسلام، سببًا في تفككهم. وبين ضغوط الخارج وحسابات الداخل، يقف السودان أمام منعطف حاسم: إما أن يتحول السلام إلى فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس جامعة، أو أن ينزلق المشهد إلى صراعات داخلية تعمّق الانقسام وتبدد ما تبقى من تماسك وطني.

إن اختبار السلام لا يكمن فقط في وقف إطلاق النار، بل في قدرة القوى المتصارعة على إعادة تعريف مصالحها خارج منطق الغلبة والتمكين. فالتاريخ السوداني يبين أن التحالفات التي تُبنى على ضرورات عسكرية سرعان ما تتآكل عند أول استحقاق سياسي جاد.

وعليه، فإن مستقبل تحالف بورتسودان لن يتحدد بمدى صلابته الظاهرية، بل بقدرته على التحول من تحالف حرب إلى شراكة سياسية تقبل بالتنازل والتسوية. أما إذا ظل السلام يُنظر إليه كتهديد لا كفرصة، فإن احتمالات الانقسام الداخلي ستظل قائمة، وقد تتحول إلى واقع يعيد رسم خريطة السلطة في البلاد.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأكبر: هل تتقدم مصلحة الدولة على حسابات الفصائل، أم تستمر معادلة الصراع حتى يفرض الواقع ترتيباته القاسية؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم ملامح المرحلة المقبلة في السودان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.