شهد السودان خلال حكم الحركة الإسلامية، من نظام الجبهة الإسلامية القومية إلى حزب المؤتمر الوطني بقيادة عمر البشير، تحولات عميقة على المستويين الداخلي والخارجي.. تميزت هذه المرحلة بتصاعد التوترات السياسية، وتفاقم الصراعات المسلحة والمليشيات المتطرفة، وتدهور العلاقات الإقليمية والدولية، ما أثر بشكل مباشر على استقرار البلاد ومكانتها في محيطها.
من أبرز الملفات المثيرة للجدل خلال تسعينيات القرن الماضي، استضافت العاصمة السودانية الخرطوم لشخصيات مرتبطة بتنظيمات إرهابية.
فقد أقام أسامة بن لادن، مؤسس تنظيم القاعدة، في السودان بين عامي 1991 و1996، حيث أسس شبكات اقتصادية وبنى تحتية للتنظيم.
كما استضافت الخرطوم بين عامي 1993 و1994 إلييتش راميريز سانشيز المعروف بكارلوس، قبل أن يُسلم للسلطات الفرنسية في أغسطس 1994.
أدت هذه السياسات إلى إدراج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما تسبب في عزلة سياسية واقتصادية استمرت سنوات طويلة وأثرت على فرص الاستثمار والتعاون الدولي.
برز اسم السودان مجددًا في سياق التحقيقات المتعلقة بتفجير المدمرة الأمريكية USS Cole في ميناء عدن باليمن بتاريخ 12 أكتوبر 2000.
ورغم نفي الخرطوم أي تورط مباشر، وُجهت لها اتهامات بتقديم دعم لوجستي لعناصر مرتبطة بتنظيم القاعدة.. وفي عام 2020، وقعت الحكومة السودانية اتفاقاً لدفع تعويضات لأسر الضحايا، ما مهّد لاحقاً لرفع اسم السودان من قائمة الإرهاب الأمريكية.
على الصعيد الإقليمي، اتهم النظام السوداني بدعم حركات إسلامية مسلحة في دول الجوار، أبرزها دعم المحاكم الإسلامية في الصومال، التي تطورت لاحقًا إلى حركة الشباب، ما أسهم في توتر العلاقات الإقليمية.
كما كشفت تقارير عن فضيحة تزوير العملة الصومالية في مطابع الخرطوم بين عامي 2010 و2011، بهدف تمويل حلفاء سياسيين والتأثير على الوضع الاقتصادي في الصومال.
في عام 1995، تورطت عناصر مرتبطة بالنظام السوداني في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا، ما أدى إلى أزمة دبلوماسية حادة مع مصر وزاد من عزلة السودان إقليميًا ودوليًا.
كما وُجهت اتهامات للنظام بدعم مجموعات متمردة في دول مثل أوغندا وإثيوبيا وليبيا، مما عمّق التوترات الإقليمية.
داخليًا، ارتبطت سياسات النظام بما عُرف بالمشروع الحضاري، الذي رأت فيه القوى المعارضة سببًا في تعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية.
شهدت البلاد حروبًا في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، إلى جانب اتهامات واسعة بانتهاكات حقوق الإنسان وقمع المعارضة السياسية.
وأسفرت هذه المرحلة عن انفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011 بعد استفتاء تقرير المصير، وهو حدث تاريخي يعكس فشل سياسات التسوية السياسية.
ترك حكم الإسلاميين في السودان آثارًا عميقة على بنية الدولة وعلاقاتها الخارجية، إذ جمع بين الصراعات الداخلية والتوترات الإقليمية والعقوبات الدولية، ما أدى إلى أزمات سياسية واقتصادية وأمنية ممتدة.
وتظل تداعيات هذه المرحلة حاضرة على مستوى العلاقات الخارجية والتوازنات السياسية الداخلية.
ويبقي النقد الأساسي موجهًا إلى غياب رؤية استراتيجية واضحة لمعالجة الأزمات المتراكمة، وعدم تقديم برامج إصلاحية حقيقية لإعادة بناء الدولة والمجتمع المدني.
ويعكس هذا استمرار هشاشة المؤسسات وتدهور الأداء السياسي والأمني في السودان، مما يجعل دراسة هذه الحقبة ضرورية لفهم الواقع الراهن ووضع استراتيجيات مستقبلية لإعادة الاستقرار وتعزيز الدور الإقليمي للبلاد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.