منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، عاد الجدل بقوة حول الدور السياسي والتنظيمي للحركة الإسلامية في السودان، وسط اتهامات متصاعدة لها بالوقوف خلف إشعال الصراع، أو على الأقل تغذيته. ومع تصاعد الأنباء عن تحركات داخل الولايات المتحدة لإعادة طرح ملف تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي، يبرز سؤال ملح: هل يكون الاثنين القادم لحظة فاصلة في تاريخ ما يُعرف بإخوان السودان؟
في الداخل السوداني، لم يعد الحديث عن محاسبة الإسلاميين مجرد همس في الصالونات السياسية. ومع سبق التكرار، طالبت قوى مدنية وعسكرية، من بينها تحالف صمود برئاسة عبد الله حمدوك، وكذلك تحالف تأسيس، بتصنيف الحركة الإسلامية كتنظيم إرهابي، معتبرين إياها أحد أبرز معوقات الانتقال المدني وأحد محركات العنف المسلح.
إقليميًا، سبق أن اتخذت دول مثل مصر خطوات مماثلة بحق الجماعة، بينما لا تزال مواقف دول أخرى متباينة بين الاحتواء والملاحقة. أما في حال مضت الولايات المتحدة في قرار تصنيف شامل، فإن التأثير لن يكون رمزيًا فقط، بل سيحمل تبعات قانونية ومالية عميقة، تشمل تجميد الأصول، وحظر التعاملات، وملاحقات عابرة للحدود.
في السودان، ترتبط الحركة الإسلامية تاريخيًا بنظام الرئيس الأسبق عمر البشير، الذي حكم البلاد ثلاثة عقود قبل سقوطه في 2019، وخلال تلك الفترة تشكلت شبكات نفوذ متداخلة داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والأمن. وبعد الثورة، لم تختفِ هذه الشبكات بالكامل، بل أعادت التموضع بطرق مختلفة وفق مراقبين.
أنصار التصنيف يرون أن أي قرار أميركي محتمل سيقوض قدرة الإسلاميين على الحركة السياسية والتمويل الخارجي، ويضعف امتداداتهم الإقليمية، خاصة في ظل متغيرات إقليمية متسارعة. كما يعتقدون أن الخطوة قد تمنح دفعة معنوية للقوى المدنية التي ترى أن تفكيك بنية الإسلاميين شرط أساسي لبناء دولة مدنية ديمقراطية.
في المقابل، يرى كثيرون أن أي تصنيف خارجي مهما بلغت حدته يظل خطوة ناقصة إذا لم يستكمل بموقف داخلي حاسم تجاه جماعة رسخت عبر عقود نهجًا إقصائيًا متشددًا وأدخلت البلاد في دوامات من الاستقطاب الحاد والانقسام المجتمعي. فالإشكال، في نظر هؤلاء، لا يكمن فقط في خطاب أيديولوجي متطرف، بل في ممارسة سياسية اتسمت بتغليب الولاء التنظيمي على المصلحة الوطنية، وإضعاف مؤسسات الدولة وتسخيرها لخدمة مشروع ضيق، ما جعل كلفة بقائهم في المشهد العام باهظة على المجتمع والدولة معًا.
غير أن التجارب الإقليمية تظهر أيضًا أن الاكتفاء بالإقصاء الشكلي، من دون مسارات عدالة انتقالية صارمة وواضحة، قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الأزمة في صور جديدة. فالسؤال الجوهري ليس فقط: هل سيصدر القرار؟ بل ماذا بعده؟ هل يمتلك السودان أدوات قانونية رادعة ومتماسكة تكبح أي تجاوزات مستقبلية، وتضع حدًا نهائيًا لهيمنة التنظيمات العقائدية على مفاصل الدولة؟ وهل هناك إرادة سياسية لإعادة بناء الحياة العامة على أسس الشفافية والمساءلة، بحيث لا يُسمح مرة أخرى بتديين الصراع السياسي أو عسكرة المجال المدني؟
سواء جاء القرار الأميركي أم تأجل، فإن مستقبل الإسلاميين في السودان لن تحسمه واشنطن وحدها، بل ستحدده موازين القوى الداخلية، ووعي السودانيين بكلفة التجارب السابقة، وقدرتهم على تفكيك البنى التي مكّنت مشروعًا أيديولوجيًا من اختطاف الدولة لسنوات.
فالتحولات الكبرى لا تصنعها قرارات خارجية وحدها، بل تصنعها إرادة وطنية تقطع بوضوح مع أنماط الحكم التي استخدمت الدين ستارًا للتمكين، وأورثت البلاد أزمات مركبة في السياسة والاقتصاد والمجتمع.
قد يكون الاثنين يومًا مهمًا في حسابات السياسة، لكنه لن يكون وحده شهادة وفاة لأي تيار، ما لم تُكتب تلك الشهادة بإرادة داخلية صارمة تحسم الجدل حول طبيعة الدولة، وتضع نهاية فعلية لحقبة اختلطت فيها الدعوة بالسلطة، والعقيدة بالمصالح، الأمر الذي أفسد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.