“حميدتي”.. هل يعيد ترتيب دروبه على خطى الصدق والاعتراف؟ (4)

الجميل الفاضل يكتب:

نزع القائد محمد حمدان دقلو نهاية الأسبوع الماضي، صاعق التفجير عن ما يشبه قنابل انشطارية، رمى بها على رؤوس الجميع من داخل قاعة فندق “إمبريال غولف فيو هوتل” بمدينة عنتيبي الأوغندية.
كلما لامس حميدتي سطح قنبلة منها، مهّد لانفجارها، بقوله: “خلونا نكون صادقين”، أو “خلونا نكون حقانيين”، كي يُهيّئ الناس لما سيقول.
كأنما الرجل، وهو يلتقط خيوط اعترافاته النادرة، كمن يحاول إمساك الماء بيديه، يقول: “لنفترض أننا جلبنا عشرة فنيين كولومبيين لتشغيل طائراتنا المسيّرة، ماذا في ذلك؟”.
يقول الرجل الذي ترأس تحالف أو جبهة الميثاق العلماني الذي هو “ميثاق السودان التأسيسي”: “أنا ما كنت أقبل بالعلمانية قبل هذه الحرب، لكني الآن أقبلها”.
وأرفض شريعة “الكيزان” التي أدت لفصل جنوب السودان، وبالطبع ليس أمامنا من سبيل سوى طريق العلمانية والفيدرالية.
فنحن اليوم سودانيون وأفارقة فقط، بعد أن خلعنا تلك الطاقية التي كانوا قد لبسوها لنا، لأنها لا تناسبنا، ولا تنفع معنا.
قال حميدتي: “السعودية لم تكن محايدة، ومفاوضات جدة كانت تكتيكًا لإخراج البرهان من ‘البدروم'”.
بيد أنه أقر بأن “الشفشافة” هم الذين جعلوا الشعب يكره قواته، متعهدًا بأنه سيحاربهم كما يحارب الجيش نفسه، وأنه سيقص رؤوسهم في محاكمات ميدانية فورية.
بل إنه قال: “إن هؤلاء ‘الشفشافة’ لو أنهم تسللوا إلى قواته في تحركاتها إلى أي مكان آخر، فإنه يفضل ألا يتقدم”.
معربًا عن نيته في العودة إلى الخرطوم والرياض وجبل أولياء وشرق النيل، لكن دون هؤلاء “الشفشافة” هذه المرة.
فيما الجيش، في هذه الحرب الضروس، لا يزال يُصرّ على الإنكار المطلق.
لا أحد يملك أن يفتح فمه ليقول الحقيقة.
يُصر قائده على أن كل الاتهامات التي تطارده هي مجرد أكاذيب ومحض افتراءات.
حتى الآن، يبدو أن الدعم السريع كان وحده هو الذي بدأ يفتح الأبواب أمام العالم ليشاهد بعضًا من الحقائق المتسربة ذوب غبار هذه الحرب.
وبدا كأنه كلما اقترب الناس من الحقيقة أو اقتربت هي منهم أكثر، جن جنون هذا الطرف الذي أنكر وطغى وتجبّر.
على أية حال، فالصدق عصا كعصي موسى، من شأنها أن تلقف كل حبال من يأفكون أخبارا زائفة، ومعلومات كاذبة، وسرديات مضللة.
ويبقى سؤال: هل ثمة رجال شجعان بما يكفي لأن يلتزموا صف الصادقين الواقفين على الجمر، وأن يكونوا معهم وإلى جانبهم، رغم قساوة ومرارة ألم مجابهة الحقيقة؟
وبطبيعة الحال، فإن دخول عنصر الصدق إلى ساحة النزال من شأنه أن يقذف الرعب في قلوب الكاذبين، أكثر من مجاراتهم على مضمارهم المفضل، مضمار اختلاق الإفكيات والأكاذيب.
فالصدق هو رديف الحق، وهو سلاح استراتيجي لزهق أراجيف الباطل ولكشف تمظهرات الضلال مهما تسربلت بأثواب الحق.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.