كيف خدعت الحركة الإسلامية الشباب السوداني للانخراط في حرب 15 أبريل؟

تقرير: عين الحقيقة

يرى خبراء عسكريون ومراقبون أن الحرب التي اندلعت في البلاد في إطار حرب 15 أبريل لم تكن مجرد صراع عسكري بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحولت سريعاً إلى ساحة لإعادة إنتاج خطاب تعبوي قديم قادته الحركة الإسلامية السودانية، عبر استقطاب آلاف الشباب السودانيين تحت خديعة شعارات «الدفاع عن الوطن» و«معركة الكرامة».

الحركة الإسلامية نجحت في إعادة صياغة الرواية السياسية للحرب، بحيث تبدو وكأنها معركة وطنية خالصة..

وبحسب محللين، فإن هذه التعبئة استهدفت بصورة خاصة الشباب الذين كانوا في طليعة الحراك الثوري في ثورة ديسمبر، حيث جرى توظيف خطاب وطني فهم مؤخراً أنه مسموم، وخطاب ديني أقنع هؤلاء الشباب بالانخراط في القتال إلى جانب الجيش السوداني، في وقت كانت تسعى فيه جاهدة لإعادة ترتيب نفوذها في البلاد والتحكم في السلطة والثروة.
وفي هذا الصدد، يقول محلل سياسي فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» إن الحركة الإسلامية نجحت إلى حد كبير في استغلال حالة الغضب والصدمة التي رافقت اندلاع حرب 15 بين الجيش والدعم السريع، ووجهت هذا الغضب نحو خطاب تعبوي يستدعي مفردات الكرامة والدفاع عن الدولة. وأضاف أن «هذا الخطاب لم يكن بريئاً، بل كان جزءاً من محاولة واضحة لإعادة إنتاج نفوذ التيار الإسلامي داخل مؤسسات الدولة عبر بوابة الحرب».
كما يرى المحلل أن كثيراً من الشباب الذين شاركوا في التظاهرات المطالبة بالديمقراطية بعد سقوط نظام عمر البشير وجدوا أنفسهم لاحقاً في خضم حرب معقدة، دون أن يدركوا أن الحركة الإسلامية تحاول استثمار هذه اللحظة لإعادة بناء قواعدها التنظيمية. ويقول مراقبون إن أحد أبرز أدوات التعبئة كان استخدام خطاب يجمع بين الوطنية والدين، حيث جرى تقديم الحرب باعتبارها «معركة مصيرية» للدفاع عن السودان.
ووفقاً لمصادر «عين الحقيقة» السياسية، تم توظيف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لترويج هذا الخطاب، مع إبراز قصص بطولية عن المقاتلين وتقديم المعركة باعتبارها امتداداً للمقاومة الشعبية.
ويشير خبراء عسكريون إلى أن هذه التعبئة ساعدت في تشكيل مجموعات قتالية غير نظامية «مليشيات»، بعضها مرتبط تاريخياً بالحركة الإسلامية، مثل كتيبة البراء بن مالك، التي تظهر بشكل متكرر في تسجيلات مصورة من جبهات القتال. وفي السياق، يقول خبير عسكري تحدث لـ«عين الحقيقة» إن وجود مثل هذه الكتائب يشير إلى أن الحرب لم تعد فقط بين قوتين عسكريتين، بل أصبحت أيضاً ساحة لنشاط جماعات أيديولوجية مسلحة.
وأضاف أن هذه المليشيات تعتمد خطاباً دينياً حاداً يستهدف تعبئة الشباب وإقناعهم بأن القتال واجب ديني. وبحسب مراقبين، فإن المفارقة تكمن في أن عدداً من الشباب الذين انخرطوا في القتال كانوا في السابق جزءاً من الحراك الثوري الذي طالب بإنهاء نفوذ الإسلاميين في السياسة.
إلى ذلك، يقول المحلل السياسي إن الكثير من هؤلاء الشباب لم يكونوا منتمين تنظيمياً للحركة الإسلامية، لكنهم وقعوا تحت تأثير خطاب تعبوي مخادع مكثف ركز على فكرة حماية الدولة من الانهيار.
وأضاف أن الحركة الإسلامية نجحت في إعادة صياغة الرواية السياسية للحرب، بحيث تبدو وكأنها معركة وطنية خالصة، بينما هي في الواقع فرصة لإعادة التموضع داخل المشهد السياسي والعسكري. ويرى أن استغلال مشاعر الخوف من الفوضى وانهيار الدولة كان عاملاً حاسماً في جذب الشباب إلى جبهات القتال، خاصة في ظل غياب مشروع سياسي واضح لدى القوى المدنية. ويحذر خبراء من أن استمرار هذا النمط من التعبئة قد يؤدي إلى تعميق عسكرة الشباب السوداني، خاصة إذا استمرت المجموعات الأيديولوجية المتطرفة في التوسع.
ويقول أحد الخبراء العسكريين إن إدماج الشباب في تشكيلات قتالية ذات طابع عقائدي قد يخلق تحديات كبيرة في المستقبل، خصوصاً عندما تنتهي الحرب ويعود هؤلاء المقاتلون إلى الحياة المدنية. وأضاف أن التجارب في دول أخرى أظهرت أن تسليح الشباب خارج الأطر العسكرية الرسمية غالباً ما يؤدي إلى ظهور مليشيات يصعب تفكيكها لاحقاً. ويرى مراقبون أن الحرب الدائرة في السودان تجاوزت منذ وقت مبكر بعدها العسكري، لتتحول إلى صراع معقد تتداخل فيه الحسابات السياسية والأيديولوجية.
ويعتبر المحلل السياسي أن أحد أخطر جوانب هذه الحرب هو استخدامها كوسيلة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية في السودان. واستدرك أن «القوى التي خسرت نفوذها بعد الثورة تسعى الآن للعودة من بوابة الحرب، مستفيدة من حالة الفوضى والانقسام». وبحسب تقديرات مراقبين، فإن استمرار الحرب قد يفتح الباب أمام مزيد من عمليات التجنيد والتعبئة، خاصة بين الشباب الذين يعانون من البطالة وانعدام الاستقرار.
وفي قراءة نقدية لخلفيات المشهد، يرى المحلل السياسي أن الدور الذي لعبته التيارات المرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية في هذه التعبئة يعكس نمطاً سياسياً ظل يتكرر في تاريخ السودان الحديث، يقوم على توظيف الدين والخطاب العاطفي لحشد الشباب في صراعات السلطة. ويضيف أن التجربة خلال العقود التي حكم فيها الإسلاميون البلاد أظهرت أن مثل هذا الخطاب غالباً ما يقود إلى مزيد من الانقسام والعنف بدلاً من بناء دولة مستقرة.
ويشير المحلل إلى أن أخطر ما في هذا المسار هو إعادة إنتاج الثقافة السياسية نفسها التي ساهمت في إضعاف الدولة السودانية لسنوات طويلة، حيث يتم دفع الشباب إلى ساحات القتال باسم الشعارات الكبرى، بينما تبقى القضايا الحقيقية المرتبطة ببناء الدولة والعدالة والتنمية مؤجلة.
واستطرد قائلاً إن مستقبل السودان لن يتغير ما لم يتم كسر هذه الحلقة، وإبعاد الصراع السياسي عن استغلال الدين والمشاعر الوطنية في حروب السلطة.
ويختم المحلل السياسي بالقول إن التيارات الإسلامية في السودان أثبتت مرة أخرى أنها تستخدم الدين والخطاب الوطني كوسيلة لإعادة إنتاج نفوذها السياسي، مستغلة حماس الشباب وغضبهم الوطني لخدمة أهداف ضيقة. ويشير إلى أن هذا النهج يعيد إنتاج دائرة الانقسام والصراع التي عانى منها السودان لعقود، ويحول الشباب إلى أدوات في صراعات السلطة بدلاً من أن يكونوا شركاء في بناء دولة مستقرة وعادلة. ويؤكد أن أي محاولة لإصلاح السودان وتحقيق مستقبل مستقر لن تنجح ما لم يتم كسر هذه الحلقة طوإبعاد الدين والخطاب العاطفي عن صراعات السلطة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.