الجريدة هذا الصباح…
هل لدى كامل إدريس علم بهذا الأمر المتعلّق بالمرحّلين قسرًا، أم أن زيارته لمصر كانت للحكومة فقط ولا علاقة لها بهموم الجالية السودانية هناك؟!
طيف أول:
دعا مجلس الأمن والدفاع السوداني إلى انتهاج الحوار كوسيلة لوقف الحرب بين إيران وإسرائيل.
ليت هذا المجلس دعا إلى وقف النار في بلاده بالنهج ذاته، فما هذه الازدواجية العمياء ، أم أن المجلس يقرّر بما لا قناعة له به؟!
ويبدو أن رئيس الوزراء كامل إدريس أقام مؤتمره الصحفي لترميم الجدار المتصدّع بينه والمواطن بسبب تصريحاته الأخيرة التي أكدت أن المساحة الشاسعة ليست بينه والمنصب الذي يتقلده، ولكن بينه والشعب الذي يرأس حكومته.
وعاد ليمدّ حبل الوصل بتصريح آخر. فعندما قال إن السودانيين يجب أن يعودوا إلى بلادهم بدلًا من أن يتعرّضوا للمعاملة غير الكريمة، لم يكن يملك من الثقة ما يمكّنه أن يقطع معهم وعدًا بضمان سلامتهم أو العمل على إيقاف ترحيلهم القسري كرئيس وزراء بكامل الصلاحيات.
ولكن بعد أن خرجت تصريحات للرئيس السيسي قال فيها إنه لا ترحيل قسريًا للمواطنين السودانيين مستقبلًا، صرّح كامل إدريس ليجمّل تصريحاته السابقة وقال: “لا ترحيل قسري للسودانيين”، وهي الجملة التي وإن لم يقلها السيسي ما كان ليجرؤ كامل إدريس على قولها بالنص. لكن فاته أن يقول: “أكرر!!”
فالسودان ابتلاه الله بحكام تُبّع لا يعرفون معنى كرامة الشعب وعزته، لا في الحرب ولا في السلم. ففي الوقت الذي كان يتم فيه زجّ السودانيين في الحراسات المصرية وترحيلهم بطرق لا تليق بهم، وكانت الأسر تعاني من رحلة البحث عن أبنائها في الأقسام، كان كامل إدريس يغالط هذه الحقائق وينصح بأن لا يصدّق الناس “كلام الفيسبوك”. وهذه حالة انفصال خطيرة بين رئيس مجلس الوزراء وبين الشعب، لأنها نفي لما يعيشه المواطن واقعًا ملموسًا، وهو ما يعني أن المسؤول يتخذ مقره في جزيرة معزولة.
فكامل إدريس باعتباره رئيس حكومة يمكنه فقط أن يتصل هاتفيًا بالمسؤولين في حلفا لمعرفة كيف وصل الشباب إلى حلفا بملابس السجن ، حفاة بلا أحذية.
فهل لدى كامل إدريس علم بهذا، أم أن زيارته لمصر كانت للحكومة فقط ولا علاقة لها بالجالية السودانية؟
فرئيس مجلس وزراء لا يحترم شعبه لن تحترمه الدول مهما أحسنت استقباله، فقيمة لم يمنحك لها الشعب لن تجدها في العالم أجمع.
وسياسيًا قال كامل إن مصر ستدعم عودة السودان لحاضنة الاتحاد الإفريقي في المستقبل القريب، وإنه تم التوافق بين الخرطوم والقاهرة على تنسيق المواقف بين البلدين في القضايا الإقليمية والدولية. وكشف أن جمهورية مصر وبحكم رئاستها لمجلس السلم والأمن الإفريقي ستقوم بدعم السودان والتنسيق معه بشأن عودته لحاضنة الاتحاد الإفريقي في المستقبل القريب.
فمصر دعمت عودة السودان لحاضنة الاتحاد، والحقيقة أنها لم تنجح في هذه المهمة. ولو عاد السودان أيضًا ستواجهه عقبات كثيرة تطرقنا إليها هنا من قبل.
لذلك يجب على إدريس أن يبحث له عن نتائج أخرى لزيارته للقاهرة، التي لا أرى فيها ثمرة سوى أن السفر لمصر هو واحد من الأعمال المجدولة للحكومة؛ فإن لم يسافر البرهان سيسافر كامل إدريس، فهي مهمات ثابتة لا تستطيع الحكومة الاستغناء عنها.
فنظام السيسي يعتبر هو الزاوية القائمة التي تقف عليها حكومة إدريس ويستند عليها البرهان. لذلك عندما يسافر كامل إلى مصر، يُفضّل ألا يعقد بعدها مؤتمرًا صحفيًا، “ما بحتاج”. فالشعب السوداني يعلم لماذا يسافر وكيف يعود، وأحيانًا يصل الشعب إلى توقّع وتلاوة ما سيحدث من قرارات.
وأشار كامل إلى أن اتفاقًا تم بين البلدين على توسعة الربط الكهربائي بينهما، وذلك لأهميته في ظل العودة الطوعية للعاصمة القومية الخرطوم والولايات الأخرى. وهنا يفصح كامل دون قصد عن اشتراك الحكومة السودانية في مؤامرة الترحيل: (رحّلناهم، لكن لازم نوفر ليهم الكهرباء عشان ما يجوا راجعين).
وبشأن موضوع المياه وسد النهضة أوضح أنه تم الاتفاق على ثلاث نقاط جوهرية شملت ضرورة أن يكون هناك اتفاق بين دولة المنبع ودول المصب حول قضايا التشغيل وإعادة الملء، ومنع أي إجراءات أحادية تقوم بها أي دولة سواء كانت دولة منبع أو مصب، بجانب مشاركة البيانات بين الدول المعنية وتأكيد مبدأ الشفافية ومعالجة قضايا الجفاف والجفاف الممتد.
والنقاط الثلاث التي ذكرها إدريس هي نفسها التي تطالب بها مصر والسودان منذ سنوات:
اتفاق ملزم، تنسيق وتشغيل، تبادل بيانات، ومنع الإجراءات الأحادية.
وبالتالي فإن التصريح يعكس عودة السودان إلى موقفه التقليدي بعد فترة من التذبذب، إذن لا جديد!!
طيف أخير:
قيادات من كتائب البراء خرجت أمس تعلن دعمها لإيران في حربها ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وصحف إسرائيلية تحدثت عن علاقة النظام الإيراني بالنظام الإخواني في السودان. فهل تريد البراء أن تثبت ما ذهبت إليه الصحافة الإسرائيلية، أم أن الخطاب الميداني المتهور سيفتح على البلاد جبهة جديدة؟!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.