«محور المقاومة» في بورتسودان: هل عاد السودان علنًا إلى الحاضنة الأيديولوجية الإسلامية؟

تقرير: عين الحقيقة

 

في تحول دراماتيكي يعيد تشكيل الخارطة الجيوسياسية لمنطقة البحر الأحمر، أخرجت السلطات العسكرية في بورتسودان علاقتها مع طهران من غرف التنسيق العسكري المغلقة إلى العلن الأيديولوجي الواضح.. بعد سنوات من «الطاعة» التي فرضتها ضرورات التحالف مع المحور العربي والخليجي، يبدو أن حكومة الأمر الواقع في السودان قد حسمت خيارها بالعودة إلى الجذور التي ربطت نظام الحركة الإسلامية السودانية بالثورة الإيرانية منذ تسعينيات القرن الماضي.

لم يكن البيان الصادر عن مجلس الأمن والدفاع برئاسة قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الأحد الماضي، مجرد موقف دبلوماسي، بل شكّل “مانيفستو” سياسيًا محمّلًا بالمصطلحات التي كانت حكراً على ما يعرف بـ “محور المقاومة”.

فالإشارة إلى إيران باعتبارها “قائدة محور المقاومة”، ونعي المرشد الأعلى بعبارات مثل «الشهيد المصادم» و”شعلة النضال لإقامة الدين الحنيف”، يعكس سيطرة أدبيات التيار الإسلامي الإخواني على مفاصل القرار داخل المؤسسة العسكرية في بورتسودان.

ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يتجاوز “البراغماتية العسكرية” المتمثلة في الحاجة إلى مسيرات “مهاجر 6” الإيرانية في الحرب ضد قوات الدعم السريع، ليصل إلى مرحلة “الاندماج العقدي.

وتعد بورتسودان اليوم نقطة ارتكاز استراتيجية لإيران على ساحل البحر الأحمر، حيث يعتمد التقارب على ركيزتين أساسيتين: الدعم العسكري المباشر، المتمثل في تزويد الجيش السوداني بتقنيات الطائرات المسيرة وأجهزة التشويش، وهو ما أعاد ترتيب موازين القوى في بعض الجبهات مثل أم درمان، وعودة كوادر نظام البشير إلى الواجهة، الذين لديهم تاريخ طويل من التنسيق مع الحرس الثوري الإيراني.

رغم أن إعلان المتحدث السابق باسم الجيش، العقيد إبراهيم الحوري، عن وصول المرشد الإيراني إلى مدينة “الدبة” بالشمالية جاء في قالب “مزاح” أو حرب نفسية، إلا أنه أثار جدلاً واسعًا، إذ تعكس هذه “المزحات” تهيئة الرأي العام الداخلي وقواعد الحركة الإسلامية لتقبل الوجود الإيراني كحليف استراتيجي.

ولم يقتصر التحول على دعم إيران، بل امتد إلى تبني مواقف عدائية تجاه الجوار العربي، إذ إن إعلان أنصار النظام السابق دعمهم لهجمات إيران على دول الخليج يضع حكومة بورتسودان في مأزق دبلوماسي خطير، ويشرح حالة العزلة الإقليمية والدولية التي تعاني منها، حيث باتت تُصنف كجزء من محور يهدد أمن الملاحة والتوازن العربي.

ويحذر محللون من أن انحياز سلطة بورتسودان إلى أحضان طهران وتبنيها خطابًا إسلاميًا راديكاليًا قد لا يجني لها مكاسب فورية، لكنه يفتح الباب أمام مخاطر استراتيجية بعيدة المدى، تشمل تحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، فضلاً عن خسارة أي فرصة للعودة إلى المنظومة الدولية أو الحصول على دعم مالي من المؤسسات العالمية، وتعميق الانقسام الداخلي حول هوية الدولة وسياساتها الخارجية.

يبقى السؤال: هل يمثل هذا التحالف خيارًا استراتيجيًا دائمًا، أم أنه “زواج ضرورة” تفرضه ظروف الحرب، قد تحرق في طريقها ما تبقى من خيوط دبلوماسية للسودان مع محيطه العربي والغربي؟ وهل يمكن للسودان أن يوازن بين التطلعات الإقليمية والضغوط الدولية في ظل هذا الانزلاق نحو محور المقاومة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.