المثلث المأزوم: الخرطوم، طهران، والمقامرة الكبرى

السماني شكر الله

ليست الحروب، في منطق الجغرافيا السياسية، معارك حدود فحسب؛ إنها اختبارات ولاء، وامتحانات تموضع، ولحظات انكشاف أخلاقي وسيادي.
وما إن دوّت طبول المواجهة بين إيران وخصومها، حتى بدا أن أصداءها لا ترتطم بجدران طهران وحدها، بل تتسرّب إلى شرفات الخرطوم، حيث تتشكّل ملامح انحيازٍ لا تخطئه العين.
فعودة الدفء إلى العلاقات بين بورتسودان وطهران لم تعد شأناً فنياً يُختزل في صفقة مسيّرات أو تعاون عسكري عابر.
إنها عودة إلى مربع المحاور، واستدعاء لذاكرة التسعينيات، حين نظرت الحركة الإسلامية السودانية إلى “الثورة الإيرانية” بوصفها مرآةً أيديولوجية ونموذجاً للدولة العقائدية.
واليوم، تحت ضغط الحرب مع قوات الدعم السريع، يُعاد فتح ذلك الدفتر القديم، كأن في طائرات “مهاجر-6” خلاصاً عسكرياً يعفي من حساب السياسة.
غير أن السياسة لا تُعفى من حسابها.
وقد جاء البيان المنسوب إلى الأمين العام للحركة الإسلامية، علي كرتي، المندد بما وصفه بـ“الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على طهران”، ليضع النقاط فوق الحروف: فالخرطوم الرسمية، أو على الأقل جناحها الأيديولوجي النافذ، لا تكتفي بالتقارب الصامت، بل تجاهر بانحيازٍ صريح في لحظة اشتباك إقليمي بالغ الحساسية.
هذا البيان، في سياقه وتوقيته، لا يمكن قراءته باعتباره موقفاً حزبياً معزولاً؛ إنه يزجّ حكومة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في خانة الداعم المنحاز لطهران، ويُحوّل السودان من دولة مأزومة تبحث عن مخرج داخلي، إلى طرفٍ مُصطفّ في صراع دولي مفتوح.
وهنا تكمن الخطورة: إذ يصبح القرار السيادي أسير خطاب أيديولوجي، لا حسابات مصلحة وطنية باردة.
الأمر لا يقف عند حدود الخطاب.
فتموضع إيران على ساحل البحر الأحمر، ولو تحت عناوين التعاون العسكري، يعني عملياً فتح ثغرة جديدة في خاصرة الأمن العربي.
دول الخليج، التي ظلت الرئة الاقتصادية للسودان ومتنفّسه في أوقات الضيق، لن تنظر بعين الرضا إلى موطئ قدمٍ إيراني مقابل شواطئها.
وهكذا يجد السودان نفسه في مواجهة غير ضرورية مع عمقه الاستراتيجي، في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى دعمٍ عربي يعينه على لملمة جراحه.
ثمّة مفارقة موجعة في المشهد: شعب يطلب السلام، ونخبة تراهن على حرب الآخرين.
وطن يتداعى من الداخل، وسلطة تستعير لغة المعارك البعيدة.
إن الانحياز العلني لطهران، في لحظة صدامها مع واشنطن وتل أبيب، ليس مجرد بيان تضامني؛ إنه إعلان تموضع قد يدفع السودان ثمنه سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
والسؤال الذي يلحّ بإلحاح الضمير: ماذا لو تبدلت المعادلات في طهران؟ ماذا لو تعثّر النظام هناك تحت ضغط الداخل والعقوبات؟ ألن يجد حلفاؤه في الخرطوم أنفسهم في العراء، وقد ربطوا مصيرهم بمصير محورٍ يتآكل؟
إن مصلحة السودان ليست في أن يكون صدىً لخطابٍ عابر للحدود، ولا في أن يتحول إلى مخفر أمامي في حربٍ لا تخصه.
مصلحته في استعادة دولته، وتحصين قراره، والعودة إلى عمقه العربي والإفريقي بصفته شريكاً لا تابعاً.
أما المقامرة بالسيادة مقابل مسيّرات وبيانات حماسية، فليست سوى صفقة خاسرة… يدفع ثمنها شعبٌ أنهكته الحروب ولم يعد يحتمل مزيداً من الرهانات الخاطئة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.