المتطرفون!!

أطياف - صباح محمد الحسن

طيف أول:
ما أقصر مسافات الحماقة إن أُتخم بها الوقت، وجاءت مع كل هزيع تجثم على حقول الخوف.
ستؤتي خفقها وجعًا يرهق وحدة القياس !!
واعتبر القيادي الإخواني السوداني، الناجي مصطفى، أن هناك علاقة وطيدة تربط حرب إيران بالصراع الدائر في السودان، وقال إن “مصير الحرب في البلدين واحد”.
وهو ما قد يُستخدم لتبرير تصوير الحرب كصراع بين “محور مقاومة” و”محور غربي إقليمي”.
وربط الحرب السودانية بحرب إيران يعني مباشرة فتح الباب على مصراعيه لتدخلات خارجية أعمق، ويضع السودان في مواجهة مباشرة مع خصوم إيران الإقليميين والدوليين.
ولهذا فإن مثل هذا التصريح يعزز المخاوف ويؤكد أن هناك اصطفافًا سياسيًا أو عسكريًا بين البلدين فعندما يقول الناجي مصطفى، بصفته إسلاميًا متطرفًا ومهووسًا، إن “مصير الحرب في السودان وإيران واحد”، فهذه دعوة للاستمرار في القتال باعتباره جزءًا من “معركة كبرى” ، وليس نزاعًا داخليًا يمكن حله سياسيًا.
والكيزان ربما قصدوا هذا التصريح ودفعوا بالناجي إلى واجهة الخطاب كجزء من استراتيجية سياسية تهدف إلى تدويل الصراع وعرقلة أي مسار للهدنة. هذا التدويل بلا شك يخدم أهدافهم، لأنه يجعل الحرب تبدو جزءًا من صراع عالمي، وبالتالي يصعب الضغط عليهم داخليًا، كما يخلق مبررًا لرفض الهدنة (لا يمكن وقف الحرب بينما محورنا يتعرض لهجوم)، ويفتح الباب لتحالفات خارجية قد تمنحهم دعمًا سياسيًا أو عسكريًا.
ولماذا يختار الإخوان أسلوب التدويل؟
فعندما يُقال إن حرب السودان مرتبطة بحرب إيران أو بمحور إقليمي، فهذا يغيّر طبيعة المسؤولية.
فبدلًا من أن يُسألوا لماذا لم تُحسم الحرب، يريدون إصدار خطاب جديد مفاده أننا نخوض حربًا كبرى ضد محور عالمي، وليست حربًا يمكن حسمها بسهولة. وهذا يخفف الضغط الشعبي والعسكري عليهم، ويخلق مبررًا دائمًا لاستمرار الحرب.
فتدويل الصراع يعطيهم ذريعة جاهزة بأن الهدنة تخدم أعداء هذا المحور، وأن التفاوض خيانة للمشروع. وبهذا الشكل يصبح استمرار الحرب موقفًا أيديولوجيًا وليس فشلًا عسكريًا.
وفي الوقت نفسه يدفعون بهذا الاتجاه الأنظار عن فشلهم في إدارة الدولة والحرب. فعندما تُربط الحرب بمحاور خارجية، يتم إخفاء فشلهم في إدارة الجيش، وكذلك فشلهم في منع انهيار الدولة، وأيضًا فشلهم في الحسم العسكري رغم نفوذهم داخل المؤسسة العسكرية. لذلك فإن هذا الخطاب هو “ستار دخان” يغطي هذه الإخفاقات، ويهدف إلى تحميل الخارج مسؤولية إطالة الحرب.
فإذا أصبحت الحرب جزءًا من صراع إقليمي، يمكنهم إيجاد مسوّغ للتبرير المستمر لعدم الحسم: أن الدعم الخارجي للدعم السريع هو السبب، وأن المؤامرة الدولية هي التي تعطل الحسم.
كما أن اتخاذ هذا الأسلوب يمنحهم وقتًا لإعادة ترتيب نفوذهم داخل الجيش، فكلما طال أمد الحرب زاد نفوذهم داخل المؤسسة العسكرية، وحاولوا إعادة بناء شبكاتهم المالية والتنظيمية.
لذلك فإن تدويل الصراع ما هو إلا خطة ووسيلة لإفشال أي وقف لإطلاق النار.
وقد يعتقد الكيزان أن الخطاب المتطرف خطوة ذكية للتدويل بنية الهروب من مسؤولية الحسم العسكري، لكن الحقيقة أن الأمر يحمل مخاطر دولية كبيرة قد لا يدركونها أو يستهينون بها. وأهمها وضع السودان في خانة “الدول التابعة لإيران”، وهذا بلا شك كفيل بأن يغيّر موقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويدفع حتى دول الخليج لإعادة حساباتها.
وهو الأمر الذي يفتح احتمال إدراج السودان في قوائم الإرهاب أو المراقبة، وإدراج جماعات داخل السودان ككيانات متعاونة مع إيران، وربما فرض عقوبات على أفراد أو مؤسسات داخل الجيش أو الدولة. وهذا حدث من قبل مع الحوثيين وحزب الله وحماس، وجميعهم كان القاسم المشترك بينهم هو الخطاب الذي يربطهم بإيران.
لذلك فإن التصريحات ربما تفتح الباب لتدخل عسكري أو استخباراتي خارجي.
حتى السعودية ومصر إذا اقتنعت بأن السودان أصبح جزءًا من محور إيران، فقد تتخذان خطوات مضادة لتحجيمه. كما أن أي إشارة لوجود نفوذ إيراني قد تدفع أمريكا ودولًا أوروبية لاتخاذ خطوات لحماية مصالحها في البحر الأحمر، سواء عبر قواعد عسكرية أو مراقبة جوية أو تدخلات سياسية مباشرة. وكل هذا يضع السودان تحت وصاية دولية غير معلنة، هذا إن لم يكن السودان هدفًا لضربات إسرائيلية، مما يساهم في تحويل ميدان الحرب إلى ساحة لتصفية الحسابات بين إيران وإسرائيل. وهذا سيناريو كارثي، وإن لم يدركه الناجي وتنظيمه، فهذا بلا شك يُصنَّف غباءً سياسيًا.
طيف أخير:
الأصوات التي تنادي بالقصاص من الخصوم السياسيين والمطالبة بتغيبهم بالرصاص هي أصوات تحريضية ترتكب جريمة واضحة
لذلك كان يجب أن يتصدى لها القانونيون بوقفة صلبة وخطوات قضائية فورية للمطالبة بالمحاكمة العاجلة أو الآجلة، حتى لا تتكرر ويصبح صوت الفتنة هو الغالب. فالكلمات لا تقل خطرًا عن الطلقات، فكلاهما أدوات جريمة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.