أين الجيش ؟

د.التوم حاج الصافي زين العابدين

لعل هذا هو السؤال الذي كان يجب أن يسأله حاكم سلطة الأمر الواقع، عبد الفتاح البرهان، قبل أن ينشغل بأسئلة أخرى.

كان الأجدر به أن ينظر إلى المشهد من حوله، لا أن يفتعل معارك جانبية ويصرف الأنظار عن جوهر الأزمة.

ليس هناك جيش حقيقي بالمعنى المؤسسي الكامل، بل مؤسسة أُنهِكت طويلًا حتى أضحت عاجزة عن النهوض بدورها التاريخي.

سنوات من التمكين السياسي، وصناعة المليشيات الموازية، وتوزيع مراكز القوة خارج الإطار المهني، أضعفت العمود الفقري للدولة. فصار السلاح موزعًا، والقرار مشتتًا، والولاءات متداخلة.

لقد عملت الحركة الإسلامية، على مدى عقود، على إعادة تشكيل موازين القوة داخل البلاد، فأنشأت كيانات موازية، وخلقت شبكات نفوذ معقدة، بحيث لا تبقى أي مؤسسة بمنأى عن تأثيرها.

النتيجة لم تكن دولة قوية، بل دولة مثقلة بالهشاشة؛ ولم يكن جيشًا موحدًا، بل مؤسسة تحاصرها حسابات السياسة وصراعات التنظيمات.

المفارقة أن أكثر من يرفعون شعار “الدفاع عن الجيش” هم أنفسهم من ساهموا في تسييسه وإضعاف استقلاله المهني. الدفاع الحقيقي عن الجيش لا يكون بالشعارات، بل بتحريره من الارتهان، وإعادته إلى وظيفته الطبيعية: حماية الوطن وحدوده، لا حماية مشاريع سياسية أو طموحات شخصية.

فلا يعقل أن يُطلب من الناس دعم مؤسسة لا تمتلك قرارها الكامل، ولا تحتكر السلاح داخل الدولة، ولا تستطيع أن تتحرك بعيدًا عن ضغط المليشيات ومراكز القوى.

الجيش الذي لا يكون صاحب الكلمة العليا في شؤون الأمن الوطني، يتحول إلى طرف في الصراع بدل أن يكون حَكَمًا ضامنًا للاستقرار.

السودان اليوم لا يحتاج إلى تعبئة خطابية، بل إلى مراجعة جذرية شجاعة:

مراجعة لدور المؤسسة العسكرية.

مراجعة لعلاقة السياسة بالبندقية.

مراجعة لفكرة “الدولة داخل الدولة”.

المأساة أن كلفة هذا التشابك لا تُدفع في البيانات، بل في أرواح الناس، في مستقبل الشباب، في انهيار التعليم، في الاقتصاد المنهك، وفي نزيف الكفاءات.

الحروب لا تصنع دولًا قوية، بل تُنتج أجيالًا تعتاد الطوارئ وتفقد الثقة في كل مؤسسة.

إن استمرار هذا المسار يعني أن البلاد ستظل تدور في حلقة مفرغة؛ حرب تُنتج أزمة، وأزمة تُنتج صراعًا، وصراع يعيد إنتاج الحرب.

والأخطر أن يصبح وجود الحرب نفسه شرطًا لبقاء بعض المشاريع السياسية حيّة.

غد السودان لن يُصنع بتبادل الاتهامات، ولا بتصفية الحسابات، بل بإعادة تعريف معنى الدولة:

دولة يكون فيها الجيش جيشًا لكل السودانيين، لا أداةً في يد تيار.

ودولة تكون فيها السياسة ساحة تنافس مدني مشروع، لا صراع بنادق.

السؤال سيبقى مطروحًا، بإلحاحٍ أكبر كل يوم:

أين الجيش؟

هل هو مؤسسة وطن مستقلة؟

أم رهينة صراع، محاصر بطموحات ومشاريع لا تشبه الدولة؟

حين يُجاب عن هذا السؤال بصدق، تبدأ الطريق نحو الخلاص.

وإلى أن يحدث ذلك، سيظل السؤال يطرق أبواب الضمير الوطني بلا هوادة.

نحن نرى المشهد كما هو، ونرى القوى التي تتحرك في الظل والعلن، ونرى آثار التمكين وتداخل المصالح.

فإن كان كل ذلك ظاهرًا للناس، فقل لنا بوضوح: أين الجيش ؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.