من أكثر ما كشفه العميد فضل الله إثارةً للدهشة وصفُه لظاهرة لم تُعرف من قبل للرأي العام، وهي ظاهرة ما يُسمّون بـ”السواقين”. هؤلاء هم المدنيون الإسلاميون الذين كانوا يمسكون بزمام الإدارة الحقيقية للمؤسسة العسكرية ويُصدرون الأوامر لكبار الضباط دون أن يكون لهم أي صفة عسكرية رسمية. وكان من أبرز هؤلاء أحمد الشايقي وعبد الرحيم الأمير وعوض الجاز، وهم شخصيات مدنية تنظيمية كانت تتردد على اجتماعات قيادة الجيش وتُصدر التوجيهات المالية والإدارية. ويؤكد العميد أن أي ضابط يتجرأ على رفض أوامر هؤلاء المدنيين التنظيميين سيجد نفسه في الشارع. وهذا يعني عمليًا أن القوات المسلحة السودانية لم تكن تُقاد من قِبَل قادتها العسكريين، بل كانت تُقاد من داخل. غرف مغلقة يجلس فيها مدنيون تنظيميون يُصدرون أوامرهم باسم الحركة الإسلامية.
يكشف العميد فضل الله عن حجم مذهل للإمبراطورية الاقتصادية التي بناها التنظيم داخل المؤسسة العسكرية. فالصندوق القومي للخدمات الطبية وحده يمتلك أكثر من 12 شركة، والصندوق القومي للتأمينات الاجتماعية يضم 36 شركة، وهيئة التصنيع الحربي تشمل نحو 84 شركة، فضلًا عن شركات مستقلة كشركة شيكان للتأمين وبنك أمدرمان الوطني وشركة الاتجاهات المتعددة وشركة الخرطوم للاتجار والملاحة وشركة زادنا وشركة كوش للطيران وغيرها، ويُقدّر العميد إجمالي هذه الشركات بما يزيد على 160 شركة. والأكثر صدمةً من حجم هذه الإمبراطورية هو النظام القانوني الاستثنائي الذي تعمل في ظله، إذ كانت هذه الشركات كلها معفاة من الجمارك والضرائب بصورة كاملة، وكان مكتب تخليص جمركي في بورسودان يُسجّل كل الجمارك والضرائب المستحقة على بضائعها لا كديون على الشركات بل كمديونيات على وزارة المالية، وفي نهاية السنة المالية كانت هذه المديونيات تُسقَط دفعةً واحدة فتتحول الخسارة إلى عبء على الميزانية العامة للدولة. يعني ذلك أن الشركات العسكرية كانت تنهب الخزينة العامة مرتين، مرة حين تستورد بضائعها معفاةً من الجمارك، ومرة حين تُحمِّل الدولة الجمارك غير المسددة ديونًا في ميزانيتها. ولا تخضع هذه الشركات لقانون المراجعة العام، ولا تُراجَع حساباتها من قِبَل أي جهة رقابية مستقلة، ويُعيَّن مجالس إدارتها عبر توجيهات تنظيمية تصدر باسم وزير الدفاع والمعيار الوحيد للتعيين هو الولاء للتنظيم لا الكفاءة المهنية. وقد استحوذت هذه المنظومة على ما يقارب 80% من الموارد العامة للدولة السودانية، وهو الرقم الذي أشار إليه رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك خلال الفترة الانتقالية.
لا تبقى شهادة العميد فضل الله في مستوى التوصيف العام، بل تنزل إلى تفاصيل دقيقة في حالات بعينها تكشف آليات النهب بصورة جلية. فشركة شيكان للتأمين وإعادة التأمين هي أكبر شركات التأمين في السودان وتحتكر عمليًا كل أنواع التأمين من تأمين السفن والطائرات والأسلحة إلى التأمين الزراعي والطبي، ورئيس مجلس إدارتها دائمًا ما يكون المدير العام للشؤون المالية في الجيش، غير أن الطاقم الإداري كله يأتي من التنظيم الإسلامي ويتقاضى رواتبه خارج نظام المرتبات الرسمي عبر عقود خاصة بلغت مخصصات الفرد منهم في بعض الفترات سبعة ملايين جنيه شهريًا غير المخصصات الأخرى من تأمين طبي في أرقى المستشفيات وتذاكر سفر لكامل أسرته خارج السودان. وحين أجرى العميد فضل الله مراجعة لحسابات شيكان عام 2018 اكتشف أن الشركة لم تُسدّد للجيش مستحقاته من أقساط التأمين الطبي للأفراد طوال الفترة من 2013 إلى 2019، وأن الرصيد المتراكم بلغ 13 تريليون جنيه وهو مبلغ خرافي يعادل مليارات الدولارات. رفع العميد تقريره للقيادة فكان الرد أن أُمر بإلغاء التقرير وحفظه، وعلم لاحقًا أن المبالغ صارت تُدفع مباشرةً لوزارة الدفاع أي لبرهان وكبار القادة لا للجنود الذين يُقتطع منهم هذا التأمين أصلًا، وحين واجه العميد القيادة بذلك لم يصدر أي رد حتى اليوم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.