تحالف الأقنعة والخنادق “إسلامويّة” طهران والخرطوم.. وجهان لعملة الفوضى

محمد صالح محمد

في ممرات الجغرافيا السياسية المعقدة تبرز أحياناً تحالفات تتجاوز حدود المنطق الوطني لتستقر في قاع الأيدلوجيا العابرة للحدود. اليوم وبينما تشتعل المنطقة بصراعات النفوذ الإيراني يبرز التساؤل الجوهري حول طبيعة العلاقة “المتجددة” بين نظام الملالي في طهران وبين تنظيم “الإخوان المسلمين” (الكيزان) في السودان في وقت يحاول فيه قادة الجيش السوداني تسويق خطاب “الاستقلالية” ونفي الارتهان لأجندة الحركة الإسلامية.
وحدة الأيدلوجيا “الجمهورية الإسلامية” و”الدولة الرسالية”
لا يمكن قراءة التقارب السوداني الإيراني بمعزل عن الجذور الفكرية؛ فالمدرسة “الخمينية” ومدرسة “الحركة الإسلامية السودانية” تنهلان من ذات البئر تسييس الدين لخدمة بقاء السلطة وكلاهما يرى في الدولة مجرد أداة لتنفيذ مشروع أيدلوجي وليس كياناً لخدمة المواطنة.
ثنائية الجيش والمليشيات تماماً كما أنشأت إيران “الحرس الثوري” كجيش موازٍ لحماية الثورة لا الدولة سعى الكيزان في السودان طوال ثلاثة عقود لتدجين الجيش وصناعة كتائب ظل (البراء بن مالك وغيرها) تضمن ولاء البندقية للفكرة لا للوطن.
تكتيك “البقاء بالوكالة” تتقن طهران فن إدارة الحروب عبر الوكلاء وهو ذات النهج الذي يتبعه الكيزان حالياً بالزج بمؤسسة الجيش في أتون حرب وجودية للحركة محولين الدولة السودانية إلى “ساحة بريد” للرسائل الإيرانية في البحر الأحمر.
الجيش السوداني وحبال “الكيزان” الذائبة
يخرج قادة الجيش السوداني في تصريحات متكررة لنفي أن يكون موقف “الكيزان” معبراً عن الدولة في محاولة لخطب ود المجتمع الدولي وتجنب العزلة لكن هذا “النكران” يصطدم بواقع الميدان الذي يقول إن غرف العمليات والقرار السياسي المختطف باتت تحت سطوة الحرس القديم.
إن محاولة قادة الجيش الفصل بين “الدولة” و”الكيزان” هي “مناورة تكتيكية” تفتقر للصدق الاستراتيجي فالسماح بعودة النفوذ الإيراني إلى بورتسودان (عبر صفقات المسيرات والتعاون الاستخباري) هو الختم الرسمي الذي يثبت أن قرار الجيش مرتهن لأجندة الحركة التي ترى في طهران “العمق الاستراتيجي” الوحيد المتبقي لها.
خطر “النموذج الإيراني” على السيادة السودانية
دخول إيران على خط الأزمة السودانية ليس “دعماً تقنياً” كما يروج البعض بل هو استنساخ للنموذج الذي دمر عواصم عربية أخرى. فالكيزان في السودان يدركون أن بقاءهم في المشهد بعد ثورة ديسمبر يتطلب “راعباً إقليمياً” قوياً حتى لو كان الثمن تحويل الساحل السوداني إلى قاعدة انطلاق لزعزعة استقرار الملاحة الدولية.
وجه العملة الأول: نظام طهران الذي يستخدم الدين غطاءً للتمدد الإمبراطوري.
وجه العملة الثاني: تنظيم الكيزان الذي يستخدم الجيش غطاءً لاستعادة دولة التمكين.
الهروب إلى الأمام
إن نكران قيادة الجيش لتمثيل الكيزان للدولة لا يعدو كونه “ذراً للرماد في العيون”. الحقيقة الماثلة هي أن هناك تحالفاً “براغماتياً-أيدلوجياً” يتبلور الآن؛ حيث يجد نظام إيران في يأس الكيزان فرصة ذهبية لموطئ قدم في إفريقيا ويجد الكيزان في الخبرة الإيرانية في القمع والالتفاف على العقوبات طوق نجاة.
السودان اليوم ليس أمام حرب بين جنرالين فحسب بل هو أمام محاولة “إعادة تدوير” لمشروع ثيوقراطي (ديني متطرف) يربط مصير الخرطوم بمحور طهران في مقامرة قد تحرق ما تبقى من نسيج الدولة السودانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.