من المضحكات المبكيات أن قادة كتائب الجهاديين في السودان يدعون، بلا خجل ولا حياء، إلى الاصطفاف مع إيران في حربها مع أمريكا وإسرائيل، وكأن السودان لم يكفه ما نزل به من خراب ودمار. يدعوننا إلى حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ليجلبوا لنا مزيدًا من الموت، ويغرقوا بلادنا أكثر في مستنقع العزلة والدماء، بخرافاتهم البالية وحماقاتهم الشتراء. والأدهى من ذلك أنهم يفعلون هذا وهم عاجزون حتى عن مواجهة أعدائهم في الداخل، أو حماية المواطن من الرعب والجوع والانهيار.
ثم يأتي البرهان ليذرَّ الرماد في العيون، فيخاطب المجتمعين الدولي والإقليمي مدّعيًا أنه سيؤدب من يحرّضون إيران على ضرب دول الخليج، ومن يتعهدون بخوض الحرب إلى جانبها. وكأن العالم لا يرى ولا يسمع! وكأن هذه المسرحية المكشوفة يمكن أن تخدع أحدًا! ويظن البرهان، في “قوة عين” مدهشة، أنه قد نجح في خداع العالمين جميعًا… يا لخفة العقل حين يجتمع مع السلطة!
لكن الحقيقة التي لا بد من قولها بوضوح:
إن مأساة السودان ليست حادثة عابرة، ولا نتيجة معركة واحدة، ولا خطأ لحظة سياسية طائشة. إنها ثمرة مرة لشجرة زرعت منذ عقود، وسُقيت بالاستبداد والعنف والتمكين الحزبي.
حين وقع انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩ بقيادة العميد آنذاك عمر البشير، تحت إمرة الجبهة الإسلامية القومية بزعامة حسن الترابي، لم يكن الأمر مجرد تغيير في السلطة، بل كان انقلابًا كاملًا على المسار الديمقراطي، وعلى فكرة الدولة الوطنية نفسها. منذ تلك اللحظة بدأ تفكيك الدولة السودانية قطعةً قطعة:
عسكرة السياسة، وتسليح المجتمع، وتمكين التنظيم على حساب الوطن، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات في يد حزبٍ واحد.
صناعة المليشيات… بذرة الفوضى
وفي دارفور، حين عجزت السلطة عن إدارة الأزمة سياسيًا، لجأت إلى أقصر الطرق وأكثرها خطورة: إدارة الصراع بالسلاح. فكانت ظاهرة “الجنجويد”، تلك المليشيات التي أطلقت لها يدها في الأرض والناس. ثم لم تكتف السلطة بذلك، بل مضت خطوة أبعد، حين قامت بتقنين هذه الظاهرة نفسها عبر إنشاء قوات الدعم السريع بقانون صادر عن برلمانٍ خاضع لإرادة السلطة التنفيذية.
وهكذا تحولت المليشيا إلى كيان قانوني، وأصبح السلاح خارج إطار الجيش النظامي أمرًا مشروعًا. ومنذ تلك اللحظة، وُضعت القنبلة الموقوتة في قلب الدولة السودانية: دولةٌ فيها أكثر من جيش، وأكثر من مركز قوة، وأكثر من ولاء.
من فضّ الاعتصام إلى انقلاب ٢٥ أكتوبر
لم يكن فضّ اعتصام القيادة العامة حادثًا معزولًا، بل كان امتدادًا طبيعيًا لمنهج حكمٍ جعل العنف لغةً للسياسة. ثم جاء انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ ليعيد البلاد إلى المربع الأول، وليقضي على ما تبقى من أمل في انتقال ديمقراطي حقيقي.
وبعد ذلك بعامين فقط، انفجرت القنبلة التي صُنعت طوال ثلاثة عقود: الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل ٢٠٢٣.
لم تكن مفاجأة، ولم تكن صدفة تاريخية، بل كانت النتيجة المنطقية لدولة بُنيت على التمكين لا على المهنية، وعلى الولاء الحزبي لا على العقيدة الوطنية، وعلى تعدد مراكز القوة لا على وحدة المؤسسة العسكرية.
مسؤولية المنظومة… لا خطيئة الأفراد فقط
إن المشكلة في السودان ليست مجرد أخطاء أشخاص، بل هي منظومة حكم كاملة رسّخت عسكرة الدولة، ودمّرت استقلال القضاء والنيابات، وأدخلت الولاء الحزبي إلى مؤسسات الجيش والأمن، وأضعفت الخدمة المدنية، وسلّحت القبائل والحركات بدل بناء دولة القانون، بل حتى التعليم نفسه لم يسلم من التسليع والانهيار.
وهكذا أصبح المواطن السوداني الضحية الدائمة في كل مرة:
ضحية انقلاب، وضحية حرب، وضحية انفلات أمني، وضحية خطاب تخوين متبادل.
يدفع الثمن وحده… بينما يتبادل الساسة والعسكر الاتهامات فوق ركام الوطن.
بين الغضب والعدالة
الغضب مفهوم، والألم مشروع. لكن العدالة لا تتحقق بالصراخ ولا بالاتهامات العشوائية، بل بكشف الحقائق كاملة، ومحاسبة كل من تورط في الفساد أو القتل أو التحريض، أيًّا كان موقعه أو صفته.
فالخروج من هذه المأساة يبدأ بإعادة بناء مؤسسة عسكرية قومية واحدة، وإلغاء كل المليشيات المسلحة خارج إطار الدولة، وتأسيس قضاء مستقل لا يخضع لتنظيم ولا لحزب، وإعادة بناء دولة تقوم على القانون لا على الولاء.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من خطابات الكراهية، بل يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالحقيقة.
فالأوطان لا تنهار فجأة… بل تنهار حين تُترك الأخطاء دون محاسبة، وحين يُسمح للسلطة أن تتحول إلى غنيمة.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.