طيف أول:
رحل الأستاذ نور الدين مدني، وغابت معه روحٌ طاهرة نقية كانت تُشبه الصدق في صفائه، والنسيم في رقّته، والنور في ابتسامته المشعّة. كان شاهدًا على أن الكلمة يمكن أن تكون جسرًا للسلام، وأن الصدق هو تاج المهنة، وأن النقاء ليس ضعفًا بل قوة تُضيء العتمة. له الرحمة والمغفرة.
وبالأمس، فتح عدد من خبراء الأمم المتحدة المختصين في حقوق الإنسان نافذة مواجهة مع الحكومة المصرية، وأعربوا عن قلقهم إزاء تكثيف حملة الترحيل والاعتقالات التعسفية وانتهاكات حقوق الإنسان التي تستهدف اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في مصر، بما في ذلك الأفراد المعرّضون لخطر الاتجار بالبشر.
واتفقت سيوبان مولالي، المقررة الخاصة المعنية بالاتجار بالبشر، وخاصة النساء والأطفال، وغرايم ريد، الخبير المستقل المعني بالحماية من العنف والتمييز على أساس التوجه الجنسي والهوية الجنسية، وجهاد ماضي، المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين، وكلوديا فلوريس، وإيفانا كرستيتش، وآخرون، على أن وضع اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر مثير للقلق. وقال الخبراء إن ممارسات الاعتقال والترحيل التعسفي تستمر، حيث يتم استهداف مجتمعات اللاجئين في منازلهم وأماكن عملهم وحتى في مراكز الخدمة التي يقودها اللاجئون.
وأضافوا أنه، وبحسب الأرقام الرسمية، فرّ 1.5 مليون مواطن سوداني إلى مصر حتى 29 يناير 2026. وبحلول ديسمبر 2025، تم تسجيل 1,098,311 لاجئًا وطالب لجوء لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، من بينهم 834,201 سودانيًا و117,364 سوريًا، غالبيتهم من النساء والأطفال.
وأشار الخبراء إلى أن قانون اللجوء الجديد في مصر، الذي تم اعتماده في 16 ديسمبر 2024، أثار مخاوف فورية بسبب الأحكام التي يمكن أن تقوّض حقوق وحماية المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء. وقد تزايدت هذه المخاوف في أكتوبر 2025 وسط زيادة في عمليات الاعتقال والترحيل، خاصة للمواطنين السودانيين، والتي غالبًا ما تستند فقط إلى انتهاكات مزعومة لتصاريح الإقامة. وتشير التقارير إلى أن عمليات الترحيل تمت دون إجراء تقييمات فردية لتحديد خطر الإعادة القسرية.
وفي الأشهر الأخيرة، تلقى الخبراء تقارير عن ارتفاع حاد في عمليات اعتقال وترحيل المواطنين السوريين، بما في ذلك عائلاتهم. وقد تم اعتقال العديد منهم بزعم افتقارهم إلى تصاريح إقامة صالحة، وأحيانًا على الرغم من تسجيلهم لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو حملهم وثائق تثبت أنهم بصدد تجديد تصاريحهم.
وقالوا إن مناخ الخوف هذا يعرض اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين إلى حالة من الهشاشة الشديدة مع محدودية الوصول إلى سبل العيش المستدامة، ويتعرض الكثيرون لخطر متزايد للاستغلال، بما في ذلك الاتجار لأغراض الاستغلال الجنسي، ولا سيما الذي يؤثر على النساء والفتيات، والعمل القسري والاستعباد المنزلي، بينما يكافح آخرون في مواجهة مخاطر حماية خاصة، بما في ذلك النساء والفتيات الناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي والأشخاص المثليين.
وأعرب الخبراء عن قلقهم إزاء خطر الإعادة القسرية للأفراد “الموثقين” و”غير المسجلين” الذين فرّوا إلى مصر طلبًا للحماية من الصراعات والاضطهاد والأزمات الإنسانية في بلدانهم الأصلية.
وأكد الخبراء: “نذكّر مصر بأن أي أمر بالعودة أو الترحيل يجب أن يستند إلى تقييم فردي لاحتياجات الحماية والتزامات حقوق الإنسان، ويشمل ذلك الالتزام الصارم بمبدأ عدم الإعادة القسرية، والمصلحة الفضلى للطفل، وعدم التمييز، والحق في الحياة الأسرية.”
كما أوضحوا أنهم سيتواصلون مع الحكومة المصرية بشأن هذه المسألة.
ووجود كلوديا فلوريس كرئيسة للفريق العامل التابع للأمم المتحدة المعني بالتمييز ضد النساء والفتيات منذ نوفمبر 2023 يعكس أن قضية اللاجئين في مصر لم تعد مجرد ملف محلي، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بملف التمييز ضد النساء والفتيات على المستوى الدولي.
وهذا يضيف بعدًا حساسًا، لأن الانتهاكات ضد اللاجئات قد تصنف في إطار التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وهو أمر توليه فيه الأمم المتحدة متابعة دقيقة وضغط متزايد.
كما أن إشارة الخبراء إلى قانون اللجوء الجديد (2024) باعتباره مثيرًا للمخاوف يضع علامات استفهام على التوجه التشريعي المصري، وهو ما يقلق خبراء حقوق الإنسان من أن القانون قد يُستخدم كأداة لتقييد الحقوق بدلًا من حمايتها.
وتذكيرهم لمصر بمبدأ عدم الإعادة القسرية وبالمصلحة الفضلى للطفل فيه اتهام واضح بأن الحكومة خرقت التزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية اللاجئين لعام 1951 واتفاقيات حقوق الإنسان.
لذلك، فإن استمرار الاعتقالات والترحيل التعسفي قد يؤثر على علاقة الحكومة المصرية مع شركائها الدوليين، خاصة الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. ولهذا فإن البيان يضع الحكومة المصرية أمام معادلة صعبة: إما تعديل سياساتها لتتماشى مع المعايير الدولية، أو مواجهة عزلة وانتقادات متزايدة قد تؤثر على الدعم الدولي والتمويل المرتبط بملف الهجرة، والذي بلا شك أنه مرهون باحترام حقوق الإنسان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.