السودان بين الحلف الإيراني ونيران الحركة الإسلامية

جعفر محمدين عابدين

يشهد السودان منذ سنوات تحولات سياسية وأمنية عميقة جعلته في قلب صراعات داخلية وتجاذبات إقليمية معقدة. فقد تداخلت الأزمات السياسية مع الصراعات العسكرية، وأصبحت البلاد مسرحاً لتنافس القوى الداخلية والتحالفات الخارجية. ومن أبرز القضايا التي تثير الجدل في المشهد السوداني العلاقة المتقلبة بين السودان وإيران، إلى جانب الدور التاريخي والسياسي الذي لعبته الحركة الاسلامية السودانية في تشكيل ملامح الدولة السودانية خلال العقود الماضية. وقد ازداد هذا التعقيد بعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني والدعم السريع ، وهي حرب أعادت طرح أسئلة عميقة حول طبيعة السلطة والتحالفات في السودان.
الخلفية التاريخية للعلاقة بين السودان وإيران
تعود جذور التقارب بين السودان وإيران إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما تبنّى نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير توجهاً سياسياً يقوم على التحالف مع قوى الإسلام السياسي في المنطقة. وقد كان للمفكر والسياسي الإسلامي حسن الترابي دور بارز في صياغة هذه الرؤية، حيث سعى إلى بناء شبكة من العلاقات بين الحركات الإسلامية والدول التي تتبنى خطاباً سياسياً مشابهاً.
في تلك المرحلة شهدت العلاقات السودانية الإيرانية تطوراً ملحوظاً، خاصة في المجالات العسكرية والأمنية. فقد شمل التعاون تبادل الزيارات الرسمية، والتدريب العسكري، إضافة إلى التعاون في مجالات التسليح والتنسيق الأمني. كما اتهمت بعض الأطراف الدولية السودان بأنه كان يمثل ممراً لنقل الأسلحة إلى جماعات مسلحة في المنطقة، وهي اتهامات ساهمت في زيادة الضغوط السياسية والدبلوماسية على الخرطوم خلال تلك الفترة.
تراجع العلاقات ثم مؤشرات العودة
في عام 2016 قرر السودان قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، في خطوة فُسّرت على نطاق واسع بأنها محاولة لإعادة تموضع السودان إقليمياً والتقارب مع دول الخليج، خاصة الإمارات والسعودية، اللتين كانتا تسعيان إلى الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة.
غير أن المشهد السياسي في السودان تغيّر بشكل كبير بعد سقوط نظام البشير عام 2019، ثم تعقّد أكثر مع اندلاع الحرب الداخلية في عام 2023. ومع استمرار الصراع العسكري ظهرت تقارير إعلامية تشير إلى احتمال عودة التعاون العسكري بين السودان وإيران، بما في ذلك الحديث عن حصول الجيش السوداني على تقنيات عسكرية مثل الطائرات المسيّرة لتعزيز قدراته في الحرب الدائرة.
الحركة الإسلامية وإرث السلطة في السودان
تُعد الحركة الإسلامية في السودان أحد أبرز الفاعلين السياسيين في تاريخ البلاد الحديث. فمنذ عقود استطاعت هذه الحركة أن تبني نفوذاً واسعاً داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، قبل أن تصل إلى ذروة قوتها بعد انقلاب عام 1989 الذي مهّد الطريق لوصول عمر البشير إلى السلطة.
وخلال ثلاثين عاماً من الحكم تمكنت الحركة الإسلامية من بسط نفوذها على العديد من مؤسسات الدولة السياسية والأمنية والاقتصادية، كما عملت على تنفيذ مشروع سياسي يقوم على فكرة “الدولة الإسلامية”. غير أن هذا المشروع واجه انتقادات واسعة من قطاعات كبيرة من المجتمع السوداني، التي رأت أنه أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتعميق الأزمات الاقتصادية والسياسية.
ثورة ديسمبر وسقوط مشروع الإسلام السياسي
شكّلت الثورة السودانية التي انطلقت في ديسمبر 2018 نقطة تحول تاريخية في السودان. فقد خرجت الجماهير في مختلف المدن مطالبة بإنهاء حكم الإسلاميين وبناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على الحرية والسلام والعدالة. وانتهت هذه الثورة بسقوط نظام البشير في أبريل 2019، وهو ما اعتُبر نهاية لثلاثة عقود من حكم الحركة الإسلامية.
غير أن سقوط النظام لم يعنِ اختفاء الحركة الإسلامية بالكامل من المشهد السياسي. فبحسب كثير من المراقبين، ما زالت الحركة تمتلك شبكات نفوذ داخل بعض مؤسسات الدولة، خاصة في الأجهزة الأمنية والاقتصادية التي تشكلت خلال سنوات حكمها الطويلة.
اتهامات بإشعال الصراع للعودة إلى السلطة
في ظل الأزمة السياسية التي أعقبت الثورة، ظهرت اتهامات من بعض القوى السياسية والناشطين بأن عناصر مرتبطة بالحركة الإسلامية تسعى إلى استعادة نفوذها عبر استغلال حالة الفوضى السياسية. وقد تعززت هذه الاتهامات بعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن استمرار الحرب قد يخلق بيئة سياسية مضطربة تسمح بعودة قوى النظام السابق إلى مركز السلطة. كما يذهب بعض النقاد إلى أن المشروع السياسي للحركة الإسلامية خلال العقود الماضية ألحق أضراراً عميقة بالدولة السودانية، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو المؤسسي، وأسهم في إضعاف الدولة وتعميق الانقسامات داخل المجتمع. ورغم أن هذه الاتهامات ما زالت محل جدل بين القوى السياسية المختلفة، فإنها تعكس حالة الاستقطاب الحاد التي يعيشها السودان اليوم، كما تعكس مخاوف قطاعات واسعة من المجتمع من عودة الصراعات الأيديولوجية التي عانى منها السودان لسنوات طويلة.
السودان بين الحسابات الإقليمية والصراع الداخلي
في ظل هذه المعطيات يجد السودان نفسه في موقع بالغ الحساسية بين الحسابات الإقليمية والصراعات الداخلية. فالتقارب المحتمل مع إيران قد يؤدي إلى توترات مع بعض الدول العربية، بينما يظل الصراع الداخلي بين القوى العسكرية والسياسية عاملاً أساسياً في تحديد مستقبل الدولة السودانية. كما أن الإرث السياسي للحركة الإسلامية ما زال يلقي بظلاله على المشهد العام، سواء من خلال الجدل حول دور الإسلام السياسي في الحكم أو من خلال تأثير شبكات النفوذ التي نشأت خلال العقود الماضية.
خاتمة
يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فبين احتمالات إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، واستمرار الصراع الداخلي على السلطة، تبقى التحديات الكبرى متمثلة في تحقيق الاستقرار السياسي وبناء دولة مدنية قادرة على تحقيق تطلعات الشعب السوداني في الحرية والسلام والتنمية.
إن مستقبل السودان لن تحدده التحالفات الخارجية وحدها، بل سيتحدد أيضاً بقدرة السودانيين على تجاوز إرث الصراعات الأيديولوجية وبناء نظام سياسي عادل يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والسلطوية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.