في الثامن من مارس يرتدي العالم حلّة الاحتفال تُوزع الورود وتُصاغ الشعارات الرنانة عن “تمكين المرأة”. لكن في رقعة منسية من خارطة الوجع تقف المرأة السودانية خارج سياق الاحتفال متكئةً على جدار من الخوف ليس لأنها ضعيفة بل لأن “الوطن” الذي كانت تحرسه برموش عينيها قرر أن يلتهم أبناءها وبيوتها بدم بارد.
من شموخ “الكنداكة” إلى ذلّ “النزوح”
قبل سنوات قليلة كانت صورة السودانية فوق ظهر العربات تهز عرش الديكتاتورية بصوتها الجهوري هي الأيقونة العالمية للنضال واليوم تلك “الكنداكة” نفسها تقف في طوابير طويلة لا تنتهي ليس طلباً للحرية هذه المرة بل بحثاً عن حفنة طحين أو شربة ماء غير ملوثة برائحة البارود لقد تحولت العزة السياسية إلى مأساة إنسانية صامتة حيث يُستخدم جسد المرأة ومصيرها كـ “ورقة ضغط” في حرب عبثية لا ناقة لها فيها ولا جمل.
عندما يكون “البقاء” هو الإنجاز الوحيد
تخوض المرأة السودانية اليوم حرباً ذات جبهات متعددة:
الجوع الصامت: هي التي تجوع ليشبع أطفالها وهي التي تدير “مطبخاً” فارغاً في معسكرات النزوح بكرامة مجروحة.
الفقد المرّ: هي الأم التي تودع ابنها للمجهول والزوجة التي تنتظر غائباً قد لا يعود والابنة التي رأت منزلها يتحول إلى ثكنة عسكرية.
الانتهاك الممنهج: وسط غياب الدولة والقانون أصبحت النساء السودانيات أهدافاً مباشرة للعنف الجسدي والنفسي و في مشهد سياسي يفتقر لأدنى معايير الأخلاق العسكرية أو الإنسانية.
اغتراب الروح والوطن
السياسة في السودان لم تعد صراعاً على السلطة فحسب بل أصبحت معولاً لهدم النسيج الاجتماعي الذي كانت المرأة خيطه المتين فحين تضطر السودانية لترك منزلها في الخرطوم أو دارفور أو كردفان هي لا تترك “عقاراً” بل تترك ذاكرة وصوراً وجذوراً لتمضي نحو المجهول بعباءة ممزقة وقلب مثقل بالخيبات.
“المرأة السودانية اليوم لا تسأل عن حقوقها السياسية بل تسأل عن حق أطفالها في الاستيقاظ دون صوت قذيفة وعن حقها في أن تُدفن في أرضها لا في بلاد المنافي.”
يوم للمرأة… أم مأتم للحقوق؟
إنّ الكتابة عن المرأة السودانية في يومها العالمي ليست ترفاً فكرياً بل هي صرخة في وادي الصمت الدولي و إن السياسة التي أحرقت السودان لم تحرق المباني فقط بل حاولت كسر روح المرأة التي طالما كانت صمام أمان هذا المجتمع.
اليوم لا تحتاج السودانية إلى “تهنئة” بل تحتاج إلى عدالة تقتص لها من الذين سلبوها أمانها وإلى إرادة سياسية تضع حداً لهذا النزيف سيبقى “الثوب” السوداني رغم ما علق به من غبار النزوح رايةً للعزة و راية مبللة بدموع القهر التي لا يجففها إلا السلام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.