الجيشُ السُّودانيُّ هُوَ الحَرَكَةُ الإِسْلَامِيَّةُ… وَالحَرَكَةُ الإِسْلَامِيَّةُ هِيَ الجَيْشُ..راشدُ دياب نموذجًا

خالد عبيد

يتبادلون الأدوار تحت مسميات وواجهات متعددة، في محاولة واعية لخلق قدر من الخلط والارتباك في المشهدين الإقليمي والدولي، ولتجزئة الجريمة بحيث يتفرق دمها بين الواجهات المختلفة. وكل ذلك يجري وفق تخطيط مدروس وممنهج، تُحاك خيوطه في الغرف المظلمة بعيدًا عن أعين الرأي العام.
أما الحديث عن الفصل الإجرائي بين الجيش والحركة الإسلامية، فليس له وجود حقيقي على أرض الواقع. فالحقيقة التي يعلمها القاصي والداني، منذ خريف عام 1989، أن الحركة الإسلامية قد أحكمت سيطرتها على الجيش، وحولته فعليًا إلى مؤسسة ذات طابع حزبي.
بل إن إجراءات القبول في الكلية الحربية نفسها كانت تخضع لاعتبارات الولاء والانتماء؛ إذ كانت استمارات التقديم تُفحص أمنيًا للتأكد من الانتماء والولاء للحركة الإسلامية، قبل أن تُجرى لاحقًا معاينات شكلية تُستعار فيها «القومية» ظاهرًا، بينما تكون قرارات الاختيار قد حُسمت سلفًا داخل دوائر مغلقة
كان الشاب راشد دياب يُعرَف في تلك الأيام بوصفه الساعد الأيمن للمحبوب عبدالسلام، والرجل الذي تولّى جمع وطباعة كتب المفكر الإسلامي حسن عبد الله الترابي. وقد التقيت به لأول مرة في منزل التشكيلي السوداني المعروف راشد دياب ، حين كان بصحبة التشكيلي الراحل أحمد عبد العال وانا ازور منزل التشكيلي راشد دياب وأتهيأ لإجراء حوار صحفي معه.
كنا آنذاك في مقتبل العمر، ما زلنا في طور التشكّل الفكري، أو كما يقال: زغب الحواصل. يومها فاجأني راشد دياب بطلب بدا لي غريبًا بعض الشيء؛ إذ اشترط أن أطلع أولًا على الأرشيف الصحفي الذي كُتب عنه في الصحف العالمية والمحلية قبل أن أشرع في محاورته. ورغم ما أثاره الطلب في نفسي من ضيق خفي، قلت في سرّي: لعل في الأمر خيرًا. فمضيت أتصفح ما توفر من مواد، غير أنني لم أجد فيها ما يستوقفني كثيرًا.
في تلك الأثناء كان الشاب راشد دياب يتردد على منزل الفنان، وهكذا بدأت بيننا معرفة تدريجية، رغم التباين الواضح في المنطلقات الأيديولوجية والرؤى الفكرية.
وفي إحدى تلك الجلسات أخذ يحدثني عن بداياته. قال إنه كان مولعًا في سنوات الدراسة الثانوية ببرامج الكديت والتدريب العسكري، وأن هذا الشغف المبكر زرع في داخله حلم الالتحاق بالمؤسسة العسكرية. ومع مرور الوقت تحولت تلك الرغبة إلى طموح راسخ: أن يدخل الكلية الحربية ويصبح ضابطًا.
لكن الطريق إلى تلك الأمنية لم يكن معبدًا كما تخيل. فبعد أن أنهى المرحلة الثانوية، تقدّم بطلب الالتحاق بالكلية الحربية دون أن يكون على دراية كافية بتعقيدات الطريق إليها وشروطه غير المعلنة.
وكانت أمامه عقبتان واضحتان، وربما ثالثة لا تقل حساسية في سياق تلك السنوات المضطربة من الحياة السياسية السودانية.
الأولى: قصر قامته، وهو أمر كانت المؤسسات العسكرية تنظر إليه بصرامة.
والثانية: أنه لم يكن منتميًا إلى الحركة الإسلامية السودانية، التي أخذ نفوذها يتسع داخل مؤسسات الدولة في تلك الفترة.
أما الثالثة، فهي مفارقة ذات دلالة سياسية رمزية: اسمه نفسه، راشد، وهو اسم أطلقه عليه خاله الشيوعي إعجابًا بالزعيم الشيوعي السوداني عبدالخالق محجوب .
وهكذا بدا أن الاسم، كما الانتماء، يمكن أن يتحول في سياق السياسة السودانية إلى علامة دالة، وربما إلى عبء غير متوقع في طريق شاب كان يحلم فقط بأن يرتدي البزة العسكرية
كان راشد يحدثني عن شبابه الأول، عن تلك السنوات التي كان فيها مولعًا ببرامج الكديت والتدريب العسكري في المدرسة الثانوية. هناك، كما قال، بدأ الحلم يتشكل في داخله: أن يصبح ضابطًا، وأن يدخل الكلية الحربية مثل كثير من أبناء جيله الذين رأوا في العسكرية طريقًا للمكانة والسلطة.
وبحكم كونه من سكان حي العمارات في الخرطوم ( كمحظي خرطومي ) استطاع أن يؤمّن فرصة للمعاينة في الكلية الحربية. لكن المشكلة ظهرت مبكرًا. فقد أُخرج من الصف بسبب قصر قامته، وهو شرط لا تقبل المؤسسة العسكرية عادة تجاوزه. غير أن الشاب لم يكن من أولئك الذين يستسلمون بسهولة؛ فتحايل وتسلل إلى صف الذين تجاوزوا امتحان القامة، وجلس بينهم كأنه واحد منهم، حتى دخل غرفة المعاينة.
هناك بدأت الأسئلة.
لم تكن الأسئلة عسكرية أو بدنية كما توقع، بل جاءت على نحو غريب:
كم عدد أهل الكهف؟
وكم لبثوا؟
وكم عدد حروف سورة البقرة؟
ثم جاء السؤال الأخطر، السؤال الذي بدا كأنه المفتاح الحقيقي للاختبار كله:
من هو راشد الذي سُمّيت عليه؟
يقول لي راشد إنه في تلك اللحظة أدرك أن الضابط الذي يجلس أمامه ليس مجرد ممتحن عادي، بل رجل أمن من الطراز الأول. شعر كأن فخًا نُصب له بعناية.
فإن قال إنه يعرف الاسم ومرجعيته، فقد يُتهم بالشيوعية والإلحاد.
وإن أنكر المعرفة، فسيبدو كاذبًا ومخادعًا.
وفي الحالتين، الخسارة واحدة.
بعد لحظة صمت قصيرة، قرر أن يقول الحقيقة كما هي. قال لهم إن له خالًا شيوعيًا مولعًا بالزعيم الشيوعي السوداني عبد الخالق محجوب، وإن «راشد» كانت كنيته الحزبية التي أحبها فأطلق الاسم على ابن أخته.
انتهت المعاينة هناك تقريبًا.
خرج راشد من المنافسة، ولم يُقبل في الكلية الحربية. بدا الأمر في ذلك الوقت وكأنه مجرد حكاية شخصية عن شاب خسر فرصة عسكرية بسبب اسم أو بسبب حسابات سياسية غير مرئية.
لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد.
مرت السنوات، وتبدلت المسارات. التحق راشد لاحقًا بالحركة الإسلامية السودانية، وتوثقت علاقته بقياداتها، حتى أصبح مساعدًا للمفكر الإسلامي المحبوب عبدالسلام ، وعمل قريبًا من دوائر المفكر السوداني البارز حسن الترابي
كان يحدثني عن تجربة الترابي في الكتابة. لم يكن الرجل — كما يقول — يكتب كتبه بالطريقة التقليدية؛ بل كان يدون أفكاره في أوراق متناثرة، شذرات وملاحظات وأفكار أولية. ثم يتولى تلاميذه ومريدوه جمع تلك الأوراق، تحريرها، وصياغتها في نصوص مترابطة، قبل أن تعود إليه مرة أخرى للتدقيق والتعديل. وهكذا، عبر حلقات متتابعة من التحرير والمراجعة، تتشكل الكتب التي تُنسب إليه لاحقًا.
وفي تلك البيئة، عمل راشد في مجال الطباعة والنشر، حتى أصبح مرتبطًا بنشر كتب الترابي وأفكاره. غير أن أكثر ما أثار دهشتي في حديثه لم يكن تلك التفاصيل الثقافية، بل ما قاله لي لاحقًا عن قصة الكلية الحربية نفسها. قال إنه بعد أن أصبح جزءًا من الحركة الإسلامية، واطلع على بعض خفاياها التنظيمية، اكتشف أن تلك المعاينة التي ذهب إليها يومًا لم تكن سوى مسرحية كبيرة.
فبحسب ما رواه، كان القبول في الكلية الحربية في تلك الفترة يتم عمليًا داخل دوائر الحركة الإسلامية نفسها. تُملأ الاستمارات في البيوت، بعد فحص أمني دقيق، وبعد التأكد من الولاء التنظيمي والسياسي. أما المعاينات العلنية التي تُجرى أمام الناس، فلم تكن — في نظره — سوى واجهة لإقناع الرأي العام بأن الكلية مؤسسة قومية مفتوحة للجميع.
وهكذا تحولت المعاينة، التي بدت يومًا اختبارًا عاديًا لشباب يحلمون بالبزة العسكرية، إلى عرض مسرحي كامل، هدفه إخفاء آلية الاختيار الحقيقية.
وهي – كما قال- ممارسة أصبحت جزءًا من تقاليد الحركة الإسلامية السودانية منذ استيلائها على السلطة عبر انقلاب 30 يونيو 1989
ُشر حواري مع راشد دياب لاحقًا في صحيفة السوداني، وأثار قدرًا معقولًا من النقاشات الجانبية في بعض المجالس. غير أن ما أحزنني آنذاك أن الصحفي أسامة عباس تولّى نشر الحوار في الملحق الثقافي للصحيفة، لكن الأمر الذي حيّرني لاحقًا هو أن الحوار نُشر باسم الصحفي الشيوعي الراحل خالد العبيد، الذي كان يقيم حينها في أستراليا، بدلًا من نشره باسمي.
وقد راسلت أسامة عباس عبر عدد من الرسائل الإلكترونية، كما تحدثت مع راشد دياب بشأن هذا الأمر، غير أن أسامة لم يقدّم أي اعتذار، كما بدا أن التشكيلي راشد دياب قد غضّ الطرف عن المسألة. عندها شعرت بأن جهدي قد سُلب مني، وأن العمل الذي بذلت فيه وقتًا وعناية نُسب إلى غيري.
وقد رأيت في ذلك، للأسف، مثالًا آخر على ما اعتدت تسميته بتواطؤ بعض نخب الشمال النيلي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.