لم يكن مساء الأمس عادياً في ولاية النيل الأبيض. أصوات المسيّرات التي حلّقت في سماء الولاية أعادت إلى الأذهان سؤالاً ظل يتردد في أوساط السودانيين منذ اندلاع الحرب: إلى أين تتجه المعارك، وأي المناطق ستكون المحطة التالية في هذا النزاع المفتوح؟ فاستهداف النيل الأبيض بعدد من الطائرات المسيّرة لا يبدو مجرد حادثة عابرة في سياق الحرب، بل إشارة تحمل دلالات عسكرية وسياسية تتجاوز حدود الولاية نفسها.
النيل الأبيض ليست ولاية هامشية في معادلة الصراع. فهي تشكل نقطة وصل جغرافية وعسكرية بالغة الأهمية، خصوصاً في ما يتعلق بخطوط الإمداد التي تتحرك عبرها القوات باتجاه ولاية شمال كردفان. ومن هذا المنظور، فإن أي محاولة لاستهداف الولاية أو إرباكها عسكرياً قد تكون جزءاً من حسابات أوسع تهدف إلى إضعاف خطوط الدعم اللوجستي وإعادة رسم خارطة السيطرة الميدانية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تتهاوى ولاية النيل الأبيض فعلاً أمام قوات الدعم السريع؟ حتى الآن، تبدو الإجابة أكثر تعقيداً من مجرد “نعم” أو “لا”. فالهجمات بالمسيّرات قد تكون محاولة لاختبار الدفاعات، أو إرسال رسالة بأن الولاية لم تعد بعيدة عن مسرح العمليات. لكن في الوقت نفسه، فإن سقوط ولاية بحجم النيل الأبيض ليس مسألة بسيطة، نظراً لثقلها الجغرافي وموقعها الذي يربط بين عدة مسارات عسكرية وإدارية في البلاد.
ما يجري قد يكون مؤشراً على تحول تدريجي في طبيعة الحرب نفسها. فالمعارك لم تعد تعتمد فقط على المواجهة البرية المباشرة، بل باتت المسيّرات تلعب دوراً متزايداً في الاستنزاف وإرباك الخصوم وفتح جبهات نفسية قبل أن تكون ميدانية. وهذه سمة مألوفة في الحروب الحديثة، حيث تتحول السماء إلى مساحة جديدة للصراع.
لكن ما يقلق أكثر من الحسابات العسكرية هو الأثر المباشر على المدنيين. فكل منطقة تقترب منها أصوات الطائرات أو أصداء الانفجارات تصبح فجأة مكاناً للقلق والخوف والنزوح المحتمل. وسكان النيل الأبيض الذين عاشوا حتى وقت قريب بعيداً نسبياً عن خطوط النار، يجدون أنفسهم الآن أمام احتمال أن تصبح ولايتهم جزءاً من دائرة الحرب المتسعة.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت النيل الأبيض ستتهاوى أم لا، بل ما إذا كانت الحرب في السودان تدخل مرحلة جديدة من التحولات الميدانية. فكل ضربة بالمسيّرات، وكل جبهة تفتح، تعني أن المعادلة العسكرية لا تزال في حالة سيولة، وأن خريطة السيطرة يمكن أن تتغير في أي لحظة.
ويبقى الأمل أن لا تتحول النيل الأبيض إلى ساحة أخرى من ساحات الدمار، وأن يدرك المتحاربون أن توسع رقعة الحرب لا يعني نصراً بقدر ما يعني مزيداً من الألم لبلد أنهكته المعارك. ففي نهاية المطاف، ليست الولايات هي التي تتهاوى… بل حياة الناس واستقرارهم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.