من فكرٍ مُستورَد إلى وطنٍ مُدمَّر: السردية لتنظيم الإخوان في السودان 2 / 3
عبدالعزيز أبوعاقلة
لم يكن ما جرى لاحقًا انحرافًا عن المسار، بل اكتمالًا له.
فحين يُفرَّغ العقل من فكرة الدولة، وتُستبدل المواطنة بالهوية الضيقة، وعدم الاعتراف بالتنوع الذي يذخر به الوطن يصبح العنف ليس خيارًا طارئًا، بل أداة حكم.
هكذا تحوّل تنظيم الإخوان في السودان من سلطة انقلابية إلى دولة أمنية كاملة، ترى في المجتمع خطرًا دائمًا، وفي الاختلاف تهديدًا وجوديًا، وفي الحرب وسيلة لإعادة إنتاج السيطرة.
بُنيت هذه الدولة على الخوف.
جهاز أمني فوق القانون، يراقب، ويعتقل ويسحل ويقتل بدم بارد ، ويصنّف الناس لا بوصفهم مواطنين، بل درجات في سلّم الولاء.
لم تكن الدولة الأمنية معنية بحماية المجتمع، بل بحماية التنظيم.
وكما قال جورج أورويل، فإن السلطة حين تخشى الحقيقة، تُنتج عالمًا يُعاقَب فيه التفكير قبل الفعل.
في هذا العالم، صارت الجامعة موقع اشتباه، والصحافة جريمة محتملة، والثقافة خطرًا ناعمًا يجب تدجينه أو خنقه.
التعليم لم يُدمَّر بالإهمال فقط، بل بالتسييس.
أُفرغت الجامعات من استقلالها، وهُمّشت العقول الحرة، وارتقى الانتماء التنظيمي على حساب المعرفة.
تحوّلت المدرسة من فضاء لبناء المواطن إلى أداة لإعادة إنتاج الطاعة.
أما الصحة فانهارت مع انهيار فكرة الخدمة العامة نفسها: مستشفيات بلا تمويل، أطباء مهاجرون، ومرضى يُتركون لمصيرهم، بينما تُوجَّه الموارد إلى أجهزة القمع لا إلى إنقاذ الحياة.
حتى الثقافة، آخر خطوط الدفاع عن المعنى، لم تسلم.
جرى تجفيفها باسم “الأخلاق”، ومصادرتها باسم “الهوية”.
الفن مشبوه، والفكر النقدي زندقة، والتاريخ يُعاد كتابته ليخدم رواية سردية واحدة.
وكما قال أنطونيو غرامشي، فإن السيطرة الحقيقية لا تقوم على السلاح وحده، بل على الهيمنة على الوعي.
وهذا ما سعى إليه التنظيم: إخضاع العقل قبل الجسد.
في هذا السياق، لم تكن الحروب سلسلة أزمات منفصلة، بل خيطًا واحدًا متصلًا.
في الجنوب، قُسّم السودانيون إلى مؤمنين وكفار، وخيضت حرب باسم الله، وجهاد الكفار وهم في الأصل مواطنين اصليين في الوطن قبل ما يخلق النيل ثم انتهت الصفقة بانفصال الوطن.
في جبال النوبة، استُبيحت القرى، وقُصف المدنيون بالطائرات والبراميل المتفجرة، لا لضرورة عسكرية، بل لأن الهوية لم تكن “صحيحة”.
في النيل الأزرق، أُعيد إنتاج المنطق نفسه: مواطنون بدرجة ثانية وثالثة يمكن سحقهم باسم الدين والأمن .
وفي دارفور وجبال النوبة وج الفونج ، بلغ الانهيار ذروته: مليشيات مسلّحة، قتل جماعي، اغتصاب، حرق، وتشريد ملايين.
مسح قري.
لم تكن هذه الحروب انحرافات، بل تطبيقًا عمليًا لفكرة ترى التنوع تهديدًا، والمركز حقًا مقدسًا، والهامش مادة للحرق.
العامل المشترك في كل هذه المآسي كان واحدًا: تقسيم السودانيين على أساس الهوية.
دينيا ثقافيا اثنيا.
لم تُخض الحروب لبناء دولة، بل لمنع قيامها.
فالدولة الحديثة تقوم على المواطنة، والمواطنة الحقة كانت الخطر الأكبر على مشروع التنظيم.
وكما كتب أمارتيا سن، فإن اختزال الإنسان في هوية واحدة هو أول خطوة نحو العنف المنظم.
وهذا ما فعله الإسلاميون: اختزلوا السودان في تعريف ضيق، ثم حاربوا كل من لم يدخل القالب.
ومع تراكم الجرائم، بدأ شبح المحاسبة يقترب.
هنا تغيّر منطق اللعبة.
لم تعد السلطة هدفًا للتنمية أو حتى للنهب فقط، بل صارت درعًا للنجاة الشخصية.
الفساد لم يكن عرضًا جانبيًا، بل سياسة حماية: من يسرق لا يستطيع التراجع، ومن يتورط لا يقبل العدالة.
وهكذا، صار الإفلات من المحاسبة هو المشروع الحقيقي الذي يختبئ خلف كل خطاب.
وعندما جاءت ثورة ديسمبر المجيدة لم يسقط التنظيم أخلاقيًا فقط، بل سقطت شرعيته التاريخية.
غير أن السقوط لم يعنِ النهاية.
جرى تفكيك الدولة عمدًا، وترك المؤسسات هشّة، وتسييس اكثر للجيش بل إدارة قادته وتسميم المجال العام، حتى تصبح الحرب مخرجًا منطقيًا.
هذه الحرب لم تُشعل صدفة، بل جاءت كخيار أخير: الفوضى بدل العدالة، والخراب بدل السؤال.
وكما قال توكفيل، فإن أخطر لحظة على الأنظمة الاستبدادية هي اللحظة التي تبدأ فيها بالإصلاح، لذلك فضّلت الانهيار على المحاسبة.
اليوم، يحاولون العودة من الباب الخلفي، متخفّين خلف خطاب “حماية الدولة” وكرامة السيادة بينما هم من دمّر فكرة الدولة أصلًا.
يتحدثون عن الوطنية والسيادة تدليسا ، وهم من مزّق الوطن.
يتاجرون بالدين، وهم من شوّهوه حين جعلوه أداة قتل وإقصاء.
يعيدون إنتاج الكذبة القديمة في ظرف أكثر دمًا، راهنين على خوف الناس وذاكرتهم المثقوبة.
لكن الحقيقة، مهما طال الزمن، لا تُدفن تحت الأنقاض.
السودان لم يُدمَّر لأنه بلا موارد، بل لأنه حُكم بعقل تنظيم احتكاري شيطاني .
ولم تحترق البلاد لأن شعبها متناحر، بل لأن الهوية استُخدمت كسلاح.
ولم تندلع هذه الحرب لإنقاذ الدولة، بل لإنقاذ من دمّروها من الحساب.
الجملة التي لا يريدون سماعها جميعهم لكنها ستبقى:
لا مستقبل لسودان تُدار فيه السياسة بعقل الغنيمة.
ولا سلام حقيقي ما لم تخاطب القضايا التاريخية الأساسية ولا سلام حقيقي دائم مع مشروع يرى التنوع عدوًا.
ولا عدالة من دون تسمية الجناة باسمائهم، اياً كانت كانت لافتاتهم .
هذه ليست دعوة للانتقام، بل شرط للنجاة .
فالأوطان لا تُبنى بالنسيان، والحروب لا تنتهي بالأكاذيب والتدليس والخداع ، بل تفضحها … ( نواصل ) .
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.