خطاب “المتمردين والمرتزقة”: كيف تستخدم قوى الحرب التناقض الأخلاقي لتبرير استمرار العنف في السودان؟
أواب عزام البوشي
ما يجعل خطاب “المتمردين والمرتزقة” مكشوفاً ومثيراً للسخرية المؤلمة، هو اختباره على أرض الواقع السوداني، وبالتحديد على شخصيات بعينها كانت طرفاً في هذا الصراع لأكثر من عقدين. إنها “مفارقة الأمس واليوم” التي يتقن “الكيزان” (حزب المؤتمر الوطني المنحل ومن تبقى من حلفائه) توظيفها.
١. قاموس “الكيزان” المرن: من “عميل” إلى “شريك”
لفهم التناقض الأخلاقي الحالي، يجب العودة إلى قاموس النظام السابق:
· مالك عقار (نائب رئيس مجلس السيادة الآن):
كان في عهد نظام البشير أحد أبرز قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (قطاع الشمال).
لم يتوقف الإعلام الموالي للإنقاذ عن وصفه بـ”المتمرد” و”العميل” و”المرتزق” الذي يحارب الدولة بغطاء من جهات خارجية.
تم تجريده من أي صفة وطنية، وقُدم للرأي العام كعدو يجب تصفيته.
اليوم، هو نائب رئيس الدولة، ويتصدر المشهد الرسمي، ويُصافح ذات المنظومة (أو من بقي منها) التي كانت تصفه بالخائن.
· مني أركو مناوي (حاكم إقليم دارفور الآن):
كان يقود حركة تحرير السودان (جناح مناوي) في ذروة حرب دارفور.
كان هو وحركته هدفاً لحملات إعلامية عنيفة لا تصفهم سوى بـ”قطاع الطرق”، و”المليشيات المتمردة”، و”العملاء” الذين يسعون لتقسيم البلاد.
خطاب الكيزان وقتها كان واضحاً: لا حوار مع “المرتزقة”، الحل هو الحسم العسكري.
اليوم، هو حاكم إقليم دارفور، وشريك أساسي في الحكومة الانتقالية والحالية، وأصبح خطابه مختلطاً بذات المصطلحات التي كانت توجه له بالأمس.
· جبريل إبراهيم (وزير المالية الآن):
زعيم حركة العدل والمساواة، التي كانت تعتبر (في عهد البشير) أخطر الحركات المسلحة في دارفور بسبب امتداداتها الأيديولوجية والتنظيمية.
كان النظام يصفه بأنه “مرتزق” بامتياز، ويتهمه بالارتباط بتنظيمات إقليمية ودولية بهدف زعزعة استقرار السودان.
وكان جبريل في تلك الفترة يرد ذات الاتهامات للنظام.
اليوم، هو وزير المالية، المسؤول عن الموارد الاقتصادية للبلاد، ويجلس في ذات الغرفة مع من كانوا يخططون لاغتياله.
٢. أين يكمن التناقض الأخلاقي اليوم؟
التناقض لا يكمن في تغير هؤلاء القادة أو نضجهم السياسي، فهذا أمر طبيعي في سياق التسويات.
التناقض المأساوي يكمن في الآتي:
· المعيار المتحرك:
إذا كانت أوصاف “المتمرد” و”المرتزق” مجرد تهم تلصق بالخصم ثم تزول بمجرد دخوله في تحالف، فهذا يعني أنها ليست أوصافاً موضوعية قائمة على سلوك حقيقي (كالتورط في قتل المدنيين أو العمل لصالح أجندة خارجية)، بل هي مجرد “أدوات ترخيص للعنف”.
كان يُرخص بها لقتل مالك عقار بالأمس، واليوم يُرخص بها لقتل حميدتي.
· إعادة إنتاج الخطاب:
هؤلاء القادة أنفسهم (مالك، مناوي، جبريل) يجدون أنفسهم اليوم في موقع “المتهم” أو في موقع “المدافع” عن دولتهم الجديدة.
البعض منهم بدأ يستخدم نفس المصطلحات (متمردين، مرتزقة) ضد خصومه الجدد (الدعم السريع)، متجاهلاً أن هذه التهمة كانت لصيقة بهم قبل سنوات قليلة فقط.
هذا يثبت أن الخطاب ليس أخلاقياً، بل “براغماتياً” بحتاً: أنت “متمرد” إذا كنت خارج صفنا، و”وطني” إذا كنت معنا.
· غياب المشروعية الثابتة:
هذه المفارقة تكشف أن الصراع في السودان ليس بين “الوطنية” و”الخيانة”، بل هو صراع على الغنائم والسلطة.
ما دام الرجل يحارب في صفك، فهو “بطل مقاومة” و”ثائر”.
وما إن يختلف معك أو يبتعد عنك، يتحول إلى “مرتزق” و”عميل” بين ليلة وضحاها.
الخلاصة: خطاب بلا ضمير
ما يحدث هو أن “الكيزان” ومن لف لفهم تمكنوا من تصدير “نموذجهم الأخلاقي المرن” إلى المشهد السياسي ككل.
النموذج الذي يتعامل مع الناس كأدوات لا كمواطنين.
ذات الآلة الإعلامية التي كانت تصف مالك عقار بـ”المرتزق” هي من يصنع منه أيقونة وطنية اليوم.
وذات العقلية التي حاربت جبريل إبراهيم بالأمس تجلس معه اليوم لتقسيم كعكة السلطة.
هذا التناقض الواضح يقدم دليلاً قاطعاً على أن خطاب “المتمردين والمرتزقة” الحالي ضد الدعم السريع أو أي طرف آخر، هو مجرد “غطاء أخلاقي زائف” يهدف لتمديد الصراع وتبرير استمرار العنف، وليس تعبيراً عن مبدأ وطني ثابت.
إنه تكريس لثقافة “الغايات تبرر الوسائل”، حيث يصبح الإنسان وطنياً اليوم وخائناً غداً، فقط لأن “المصلحة” تغيرت.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.