تساؤلات حول صمت حركات الكفاح المسلح تجاه تصنيف واشنطن لـ«إخوان السودان» منظمة إرهابية

تقرير: عين الحقيقة

أثار غياب رد الفعل الرسمي من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام تجاه قرار وزارة الخارجية الأمريكية الأخير بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان «منظمة إرهابية»، موجة واسعة من التساؤلات والجدل في الأوساط السياسية والإعلامية السودانية.

ورغم الترحيب الذي عبّرت عنه قوى سياسية ومدنية عديدة بالقرار، واعتباره خطوة مهمة في مواجهة ما تصفه تلك الأطراف بمشاريع الإسلام السياسي في السودان، فإن الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش السوداني وعلى رأسها الحركات التي يقودها مني أركو مناوي، وجبريل إبراهيم، ومالك عقار- لم تصدر حتى الآن أي موقف رسمي يوضح رؤيتها تجاه الخطوة الأمريكية، الأمر الذي فتح الباب أمام تكهنات وتحليلات متعددة بشأن أسباب هذا الصمت.

ويرى مراقبون أن غياب التعليق من جانب هذه الحركات قد لا يكون مجرد تأخر في إصدار موقف سياسي، بل يعكس حالة من الحرج السياسي الناتج عن تعقيدات المشهد العسكري والتحالفات القائمة حالياً على الأرض. فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، انخرطت بعض الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا في القتال إلى جانب الجيش، في إطار ما تصفه هذه الحركات بمحاولة «الدفاع عن الدولة» ومواجهة ما تعتبره «تمرداً مسلحاً !!!.

إلا أن هذا الانخراط العسكري، بحسب محللين، وضع تلك الحركات في تقاطع حساس مع مجموعات مسلحة ذات خلفية إسلامية تقاتل أيضاً إلى جانب الجيش، بما في ذلك كتائب وتنظيمات مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية.

ويرى متابعون أن هذا الواقع قد يفسر التردد في إعلان موقف واضح من قرار تصنيف الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي، خشية أن ينعكس ذلك على طبيعة التحالفات العسكرية القائمة حالياً.

إلى ذلك، أشار مراقبين إلى أن الحركات المسلحة التي نشأت تاريخياً في مواجهة نظام الإنقاذ الذي حكم السودان لثلاثة عقود بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، بنت خطابها السياسي على معارضة المشروع الإسلامي الذي تبنته الحركة الإسلامية السودانية.

ولذلك فإن الصمت الحالي تجاه قرار يستهدف أحد أبرز مكونات ذلك المشروع السياسي يثير، وفقاً لهؤلاء المراقبين، تساؤلات حول التحولات التي طرأت على مواقف تلك الحركات خلال السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، قال مصدر سياسي فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» إن غياب الموقف الرسمي من جانب الحركات المسلحة يضعها في موقف معقد أمام الرأي العام السوداني، مضيفاً أن كثيرين يتساءلون عن سبب عدم إصدار بيان واضح بشأن قرار اعتبرته قوى مدنية وسياسية خطوة مهمة في مسار تفكيك نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة.

وأضاف المصدر أن «هذا الصمت قد يُفسَّر لدى قطاعات من الشارع السوداني باعتباره نوعاً من التناقض مع التاريخ السياسي لهذه الحركات، التي خاضت حروباً طويلة ضد نظام كان يمثل، في نظرها، المشروع السياسي للحركة الإسلامية».

في المقابل، يرى بعض المحللين أن الحركات المسلحة قد تفضل في هذه المرحلة تجنب الدخول في سجال سياسي جديد، في ظل تعقيدات الحرب الدائرة وتعدد الأطراف الفاعلة فيها.

ويعتقد هؤلاء أن أولويات تلك الحركات تتركز حالياً على الجوانب العسكرية والأمنية المرتبطة بالصراع القائم، الأمر الذي قد يدفعها إلى تأجيل التعليق على قضايا سياسية حساسة مثل قرار التصنيف الأمريكي.

كما يشير آخرون إلى أن جزءاً من الحذر الذي تبديه هذه الحركات قد يرتبط بحسابات تتعلق بعلاقاتها الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بمسار الحرب في السودان وتداعياتها الإنسانية والسياسية على المنطقة.

من جانب آخر، يرى مراقبون أن استمرار غياب موقف رسمي واضح قد يزيد من الضغوط السياسية على هذه الحركات، خاصة إذا ما تواصلت ردود الفعل المحلية والدولية المرحبة بالقرار الأمريكي، وما قد يتبع ذلك من نقاشات أوسع حول مستقبل التيارات الإسلامية في السودان ودورها في المشهد السياسي والعسكري.

وفي ظل هذه المعطيات، تبقى الأنظار متجهة إلى مواقف قادة الحركات المسلحة خلال الفترة المقبلة، وما إذا كانوا سيصدرون بيانات توضح رؤيتهم لقرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية، أم سيواصلون التزام الصمت في محاولة لتجنب فتح جبهة سياسية جديدة في خضم الصراع الدائر في البلاد.

ويرى متابعون أن أي موقف تصدره هذه الحركات لن يكون مجرد تعليق سياسي عابر، بل قد يحمل دلالات مهمة بشأن طبيعة التحالفات القائمة في السودان اليوم، واتجاهات المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.

وفي ظل هذا المشهد، يرى مراقبون أن صمت حركات الكفاح المسلح يثير مفارقة لافتة، إذ إن هذه الحركات نشأت أساساً في مواجهة نظام ارتبط بالحركة الإسلامية، وخاضت ضده صراعاً امتد لسنوات طويلة قدموا فيها آلاف القتلي والشهداء والمصابين.. لذلك فإن غياب موقف واضح من قرار بهذا الوزن السياسي يطرح تساؤلات جدية حول مدى تمسك تلك الحركات بخطابها التاريخي، وما إذا كانت حسابات التحالفات الراهنة قد دفعتها إلى تجاوز شعارات رفعتها لعقود في مواجهة الإسلاميين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.