مقايضة

أطياف- صباح محمد الحسن

طيف أول:
وحده الوقت الذي يجمع كل سقوط ويكشف المسافة بين فجيعة العزلة الأولى والاستسلام الأخير!!
وإذ تؤكد حكومة السودان مجدداً موقفها المبدئي والثابت في إدانة جميع أشكال الإرهاب والتطرف العنيف، دون استثناء أو انتقائية، فإنها ترى أن كل الجماعات التي تنتهك القانون الدولي الإنساني، وترتكب الإرهاب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في السودان، تُصنَّف كجماعاتٍ إرهابية) ، هذا ماورد في بيان الخارجية.
والنقطة المفصلية أن البيان تجاوز قبول التصنيف، بقفزة تاريخية إلى تغيير المفهوم السائد لحكومة الإخوان في رفض القرار الدولي الذي اتبعته الحكومات السودانية لعقود في الخطاب الرسمي.
فالخارجية، والتي تمثل الحكومة الكيزانية، لا تعترض على إدراج أي جماعة، بما فيها الإخوان، تحت هذا التصنيف!!
والمفارقة هي قبولها بمنطق “لا استثناء ولا انتقائية” في تصنيف الإرهاب، وهو ما يعني عملياً أنها تقبل تصنيف الإخوان، ومع ذلك تفتح الباب على مصراعيه للاعتراف بكل القرارات الدولية السابقة التي أنكرتها الحكومة، بما فيها قرارات المحكمة الجنائية الدولية التي طالبت بتسليم قيادات نظام البشير المتهمين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
فقبول الخارجية مبدأ التصنيف الدولي يعني أنها تقبل ضمنياً المرجعية القانونية نفسها التي أصدرت أوامر القبض للبشير وأحمد هارون، وأيضاً قرارات وزارة الخزانة الأمريكية بالعقوبات المفروضة على شخصيات مثل علي كرتي، وحتى على البرهان نفسه، وتستند إلى نفس المنطق الدولي في محاسبة منتهكي القانون .
وهنا الخارجية تقع في فخ الاعتراف، من حيث لا تدري بالشرعية الدولية التي كانت تعتبرها “مؤامرة غربية”. وهو اعتراف خطير لأنه يحفّز المجتمع الدولي ليقول: إذا قبلتم تصنيف الإخوان، فعليكم أيضاً أن تقبلوا تسليم المطلوبين للجنائية، والاعتراف بالعقوبات المفروضة على قياداتكم.
وتضيف الخارجية من هذا المنطلق، تطلب حكومة السودان الاستجابة إلى الدعوات القوية لتصنيف مليشيا الدعم السريع المتمردة كجماعةٍ إرهابية، لما ظلت ترتكبه من جرائم مثبتة، وانتهاكاتٍ موثقة، للقانون الدولي الإنساني، وارتكاب جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والإرهاب.
وهنا تقايض الحكومة السودانية تصنيف الإخوان بتصنيف الدعم السريع، في محاولة هزيلة لتحويل الخسارة إلى مكسب سياسي. فالخارجية تضع الحكومة في مأزق كبير وكأنها تقول نعم نحن مجرمون ونقبل التصنيف، فقط طبّقوا نفس المعايير على خصمنا!!
كما أن البيان هو اعتراف بكل ما ورد في قرار الخارجية الأمريكية
إذ تقبل الخارجية السودانية منطق التصنيف الدولي، وتعترف بارتكابها لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وليس هذا وحسب، بل أيضاً ارتباطهم بإيران والدعم الخارجي من التمويل والتسليح والتنسيق مع أطراف إقليمية. أليست هذه هي البنود التي استندت عليها أمريكا كأسباب جوهرية للتصنيف!!
وتمضي الخارجية بانحناءة واضحة وتقول: “إن حكومة السودان تؤكد التزامها الراسخ بالعمل على حماية أمن البلاد واستقرارها، وصون أرواح المواطنين وكرامتهم، واتخاذ كل ما يلزم من إجراءات وفقاً لأحكام القانون الوطني وبما يتسق مع التزامات السودان الدولية في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف.”!!
وبهذا تكشف حالة استجداء واضحة للمجتمع الدولي بألا يُوجّه القوة ضد الإخوان في السودان، عبر التلويح بأن الحكومة ملتزمة بالقانون الدولي ومكافحة الإرهاب. “لسنا خارج المنظومة، نحن نطبّق القانون الدولي فلا تستهدفونا ” !!
فالخارجية ببيان الأمس قدّمت نفسها كمتعاون مع المجتمع الدولي، لتكسب حماية سياسية وتخفف الضغط عليها. ولكن هل تقف الحكومة السودانية عند هذا الحد من التنازلات!!
فاستجابتها للتصنيف الدولي قد لا تقف عند قبول المنطق القانوني الذي كانت ترفضه لعقود، بل قد تستخدم أيضاً خطوات تكتيكية عبر عملية “بتر الأعضاء” وتقديمهم ككبش فداء.
فهل عندما خرجت سناء حمد تتغزل في البراء وتصفه بالبطل المميز، هل كان هذا مدحاً أم تجريم!!
لاسيما أن سناء من التيار الإسلامي الذي يرفع شعار “إن جنحوا للسلم فأجنح لها”. فالبراء كفاعل محترف في ميدان الحرب لا يستقيم فعله مع فكرة التيار الذي تمثله حمد.
إذن لماذا ؟!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.