ليس غريبًا أن يتبادل السودانيون التهاني هذه الأيام، وأن يشعر كثير من أحرار العالم بشيء من الارتياح مع تزايد الدعوات والقرارات التي تصنّف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية.
فهذا التصنيف، بالنسبة للشعب السوداني، ليس مجرد قرار سياسي عابر، بل اعتراف متأخر بحقيقة عاشها هذا الشعب ودفع ثمنها دمًا ودموعًا وخرابًا لسنوات طويلة.
إنها لحظة تاريخية يقول فيها السودانيون للعالم: لقد بدأتم أخيرًا ترون ما رأيناه نحن منذ زمن بعيد.
هذه اللحظة لا تحمل فقط معنى الإدانة لماضٍ مثقل بالآلام، بل تحمل كذلك بشارة لمستقبل مختلف.
فالشعوب التي تكشف زيف الاستبداد المقنّع بالدين تفتح الباب أمام زمن جديد، زمنٍ يُعاد فيه الاعتبار لقيم الحرية والعدل وكرامة الإنسان.
إنها لحظة طيّ صفحة طويلة من التضليل، وبداية وعيٍ يضع الدين في مكانه الطبيعي: قوة روحية تهدي الإنسان، لا أداة سياسية تُستخدم للهيمنة على الناس.
لقد عرف السودانيون هذه الجماعة عن قرب.
عرفوها لا عبر الشعارات البرّاقة ولا عبر الخطاب الديني الذي تتزيّن به، وإنما عبر تجربة قاسية عاشها شعب السودان: تجربة دولة اختُطفت باسم الدين، ومجتمع قُسِّم باسم الشريعة، ووطن أنهكته الحروب والفساد والاستبداد.
طوال عقود رفعت هذه الجماعة راية الدين، لكنها في الحقيقة حملت مشروعًا للسلطة قبل كل شيء.
كان همّها الحكم، وكان طريقها إليه مفروشًا بالكذب السياسي، والتلاعب بعواطف الناس الدينية، واستغلال المقدّس لتبرير الاستبداد.
غير أن هذه الحقيقة لم تكن خافية منذ البداية على بعض العقول البصيرة في السودان.
فقبل أكثر من ستين عامًا وقف المفكر السوداني الكبير الأستاذ محمود محمد طه محذرًا من الخطر الفكري والسياسي للحركات الإسلامية السياسية، و”رأس قايدتها” جماعة الإخوان المسلمين.
لم يكن تحذيره نابعًا من خصومة سياسية، بل من قراءة عميقة لطبيعة التخبط الذي تقوم عليه هذه الجماعات.
لقد رأى الأستاذ أن مشكلتها الأساسية ليست في ممارساتها فحسب، بل في فساد العقيدة السياسية التي تنطلق منها: عقيدة تخلط بين الدين والسلطة، وتجعل الدين سلّمًا للوصول إلى الحكم، بدل أن يكون طريقًا لترقية الإنسان.
وفي كتابات الجمهوريين الذين ساروا على نهجه، جاء التحذير واضحًا: إن الجماعات التي تتخذ الإسلام وسيلة للاستيلاء على السلطة تفتح الباب واسعًا أمام العنف والتكفير والاستبداد؛ لأن من يظن أنه يحتكر الحقيقة الدينية لن يتردد في قمع خصومه باسم الله.
بدت هذه التحذيرات في زمانها غريبة لكثيرين، بل دفع أصحابها ثمنها تضييقًا وتشويهًا واضطهادًا وتصفية.
لكن الأيام، كما يحدث كثيرًا في التاريخ، كانت كفيلة بكشف الحقيقة.
فعندما وصلت الحركة الإسلامية إلى السلطة في السودان عبر انقلابها المشؤوم عام ١٩٨٩، لم تقدّم نموذجًا للدين كما بشّرت، بل قدّمت نموذجًا للاستبداد والفساد.
تحوّلت الدولة إلى جهاز أيديولوجي، وتحولت السياسة إلى ساحة للإقصاء، وتحول الدين إلى أداة تعبئة في معارك السلطة.
ومن رحم تلك التجربة خرجت الحروب، والتمزق الاجتماعي، والفساد الاقتصادي، حتى انتهى الأمر بوطن يترنّح تحت أثقال الخراب.
لذلك فإن فرحة السودانيين اليوم ليست شماتة في أحد، بل شعور بأن الحقيقة التي ظلوا يرددونها طويلًا بدأت تجد صداها في العالم.
إنها لحظة اعتراف متأخر بأن الخطر لم يكن في الدين، بل في تسييس الدين وتحويله إلى مشروع للهيمنة.
إن الشعب السوداني، الذي دفع من دمائه ومستقبله ثمن تجربة الإسلام السياسي، يستحق أن يرى العالم يعيد النظر في هذه الجماعات التي رفعت الشعارات الدينية بينما كانت تسعى، في جوهرها، إلى السلطة.
لقد قالها المفكرون الأحرار في السودان منذ عقود: إن طريق نهضة المجتمعات لا يمر عبر دولة دينية أو حزب يتحدث باسم السماء، بل عبر دولة مدنية عادلة تحترم حرية الإنسان وكرامته، وتفصل بين الإيمان الذي يسكن القلوب والسلطة التي تدير شؤون الناس.
ولذلك فهذه اللحظة ليست نهاية قصة، بل بداية فصل جديد في تاريخ السودان.
فصلٌ تُطوى فيه صفحات الظلم والاستبداد، ويُفتح فيه الأفق أمام وطنٍ يتسع لجميع أبنائه دون وصاية فكرية أو دينية أو أيديولوجية.
إن السلام الحقيقي لا يولد من فوهات البنادق، بل من حرية الإنسان.
وإن الحرية لا تزدهر إلا حين تتحرر السياسة من استغلال الدين، ويتحرر الدين من أطماع السياسة.
مبروك للسودانيين… لأن طريق الخلاص قد بدأ يتضح.
ومبروك لأحرار العالم… لأن الحقيقة، مهما طال ليلها، لا بد أن يطلع عليها فجر الحرية والسلام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.