تصنيف الجماعة ليد آثمة ودين مستحق
الدعوة لتدمير الجيش غير واقعية ولا تخدم السودان!
بكى دكتور منصور خالد حينما رأى الدرب دوننا:
هذه لوحة ذات دلالات موحية أود أن أرسمها باختصار للقائي قبل الأخير بدكتور منصور، فهي مع الفارق تذكرني بقول عمرو بن قميئة لصديقه امرئ القيس في رحتلهم الأخيرة إلى قيصر الروم عندما قال له:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دوننا
وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبكِ عينك إنما
نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
وقد كان د. منصور يحب امرأ القيس ولكنه يحب المتنبي أكثر ويحب السودان اكثر من المتنبئ، في جوبا يوليو ٢٠١٩ اتصل بي د.منصور ليطمئن على أحوالي بعد اعتقالي في الخرطوم عقب فض الاعتصام وترحيلي بطائرة إلى جوبا، وطلب مني موافاته بلندن وكان حينها مستشفياً، وفي بدايات المساء عند يوم من أيام سبتمبر ٢٠١٩ كنت والصديق علي عبد اللطيف نأخذ طريقنا من محطة (سانت جونز وود) لمستشفى (سانت جونز وسانت إليزابيث) المجاور لمحطة القطار. وبعد تحايا حارة سألني د. منصور عن اعتقالي وعن ما يجري في الخرطوم، وقد وهن منه الجسد ولكن عقله كان متقداً ويواصل الكتابة والحديث العذب، وانتهيت في تقييمي للوضع في الخرطوم بأن حرباً ستندلع بين الجيش والدعم السريع وستلحق أكبر كارثة بالبلاد التي تخصنا ونحبها، فبكى منصور خالد بحرقة شديدة، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أراه فيها يبكي، وقد اتسم في حياته بالعقلانية والتقييم الموضوعي للأشياء، وبذلنا مجهوداً مع علي عبد اللطيف لتهدئته، وقال لنا إن ما يبكيه هو ضياع كل الجهود التي بُذلت لرفعة السودان وقد ضاعت سدى، وذكر أنه يثق في تقييمي، والذي يعرف منصور عن قرب يدرك معنى أن يذرف الدمع مدراراً وهو يتحدث عن مستقبل السودان، وقد كان في سنواته الأخيرة ومن صالة المغادرة يخشى على السودان في ظل ما اسماه (بتكاثر الزعازع وتناقص الأوتاد) وهو المفكر والمؤرخ السياسي والمتابع اللصيق لمجريات السياسة السودانية ما بعد الاستقلال.
بعد اندلاع حرب ١٥ أبريل غادر عالمنا الكثيرون ممن أحبوا السودان وغادروا الحياة بسبب أوجاع الحرب وما جرى خلالها من انتهاكات ونهب وتشريد وجرائم، ومعظمهم لم نشيعهم كما نحب وبما يستحقون، ولهم المغفرة عند مليك رحيم.
تصنيف الجماعة ليد آثمة ودين مستحق:
تصنيف الحركة الإسلامية السودانية بمسمياتها المختلفة كحركة إرهابية من قبل الإدارة الأمريكية يشمل مجموعة البراء ابن مالك هو نتاج ما اقترفت يداها الآثمة من جرائم، وهو دين مستحق من ديون جرائمها ضد ملايين السودانيات والسودانيين من ضحايا الحروب وبيوت الأشباح ومن من أزهقت أرواحهم البريئة دون ذنب، بما في ذلك إعلان الجهاد على مواطني جنوب السودان وفي كافة أنحاء البلاد، وهي جماعة مستبدة وليست حركة مقاومة، والمطالبة بتصنيفها طُرحت منذ التجمع الوطني الديمقراطي ومروراً بكل التحالفات ومن المجتمع المدني والسياسي على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وتصنيفها الآن جاء نتاج مجهودات جماعية هائلة ومتغيرات ظرفية، وقد جاء تصنيفها متأخراً كخلافة الإمام علي رضي الله عنه.
تصنيف الحركة الإسلامية دفعت به الآن رياح حرب الخليج، وقد تابعت مع أصدقاء يعملون في الكونغرس الأمريكي فشل محاولات تصنيفها في البداية، لأن مجموعة ضغط تعمل في الحقل الإنساني ذكرت للجان الكونغرس أن تصنيفها سيعرقل المساعدات الإنسانية الجارية الآن في السودان، وتم تأجيل تصنيفها، خصوصاً أن بعض أطراف الدولة العميقة ذات الصلة بالحركة الإسلامية في الولايات المتحدة منذ الحرب الباردة وبعدها تقف ضد تصنيفها، ولا يزال أساطين المكر من قيادات الحركة الإسلامية في السودان على اتصال مع ما يسمونهم قوى الاستكبار.
المعركة مع الجماعة لا تزال طويلة، وتصنيفها يخفف من موازينها وخطوة مهمة، ولكن المعركة الحقيقية تدور داخل السودان وتحتاج لخطوات أخرى في الداخل أولاً ثم الخارج، أهمها قيام جبهة مدنية عريضة وازنة مناهضة للحرب وتعمل لتغليب خيار السلام والمواطنة بلا تمييز والديمقراطية والتنمية وترجح كفة قوى ثورة ديسمبر.
علينا رفض الإسلاميين في أي عملية سياسية بحسم ودون لجلجة بعد هذا التصنيف وقبله، وتظل أم القضايا كيفية بناء القطاع الأمني ووقف الحرب وإنهائها. والحركة الإسلامية تتغذى على الحرب، وتجفيف منبعها يبدأ بوقف الحرب. وظلت الحركة الإسلامية السودانية قوى حرب وهدم ولم تكن في يوم من الأيام من قوى البناء أو المقاومة أو التحرير مهما تشدقت بالشعارات.
الفريق كباشي رمضان كريم حول حديثك عن المقاومة الشعبية! دمار الجيش لا يخدم السودان:
حديث الفريق شمس الدين كباشي قبل عام في مدينة القضارف ومؤخراً في فبراير حول دمج (المقاومة الشعبية) تحت قيادة وراية الجيش، وحديث الفريق ياسر العطا المؤيد له مؤخراً وتعليق القائد العام للجيش على حديث الناجي عبد الله، وكلها أتت قبل تصنيف الجماعة من قبل الخارجية الأمريكية، أحاديث مهمة لأن كل شيء يبدأ وينتهي عند الترتيبات الأمنية والكيفية التي سيدار بها القطاع الأمني. فبناء الدولة وتحقيق الاستقرار والحكم الديمقراطي وتأهيل الاقتصاد والتنمية المستدامة والمواطنة بلا تمييز كلها معلقة على أي نوع من القطاع الأمني نريد ان نبني بعد أن وصلنا لحافة الهاوية، وتعددية الجيوش على قفا من يشيل، ولا طريق إلا طريق الجيش المهني الواحد غير المسيس، ومعالجة الخلل البنيوي والهيكلي التاريخي داخل القوات المسلحة الحالية التي نجت بأعجوبة ومجهودات من حرب ١٥ أبريل، ولكن الطريق لا يزال طويلاً وشاقاً.
ظللت منذ ٢٠١٩ حتى اليوم أدعو لعدم المطابقة بين الجماعة الاسلامية والقوات المسلحة، مع إدراكي التام بأن هنالك زواج مصلحة بين الجيش والجماعة الإسلامية. لكن من معلومات وحوار وتجربة ملموسة ونقاش عميق مع قادة الجيش في الخدمة والمعاش منذ نيفاشا والفترة الانتقالية ٢٠٠٥-٢٠١١ وبعد ثورة ديسمبر، فإنني على قناعة بأن الجيش أوسع وأكبر من ضيق أحذية الجماعة، رغم أنها جماعة متنفذة وذات وجود داخل الجيش وأجهزة الدولة، لكن هنالك تناقضات. وإذا كانت الجماعة والجيش شيئاً واحداً فلماذا ادخل د. الترابي السجن؟ ولماذا انحاز الجناح الأمني والعسكري داخل الجماعة للجيش؟ فالمجموعة التي تمتطي ظهر الجيش من الإسلاميين لا بد من عزلها، ولا بد من عمل واسع في الداخل والخارج لتحرير الدولة من اختطافها لقطاع الأمن والاقتصاد والإعلام والخدمة المدنية وغيرها، دون أن ندعو لحل الجيش أو تدميره، فهو شعار غير واقعي ويطيل أمد الحرب.
من مصلحة الجيش أن يفرز عيشه من عيش الجماعة، فالجيش مؤسسة تابعة للدولة والجماعة تابعة لأعضائها. وتعددية الجيوش لم تحدث للمرة الأولى مع الفارق، ففي الفترة من عام ١٨٩٨ – ١٩٢٥ كانت ثنائية الحكم والجيش من القوات البريطانية والأورطة السودانية المصرية، والأورطة هي من قامت بثورة ١٩٢٤ وتم حل الأورطة وإلغاء الازدواجية وكونت قوات دفاع السودان، والآن يجب حل (٢٠) جيشاً موازياً أو اكثر باتفاق سلام يبني قوات مسلحة واحدة، مهنية وغير مسيسة وخالية من الإسلاميين.
حديث الفريق كباشي يجب أن يتبعه العمل لاختيار اسم واحد للقوات التي تحارب الآن وتحت قيادة الجيش. وحسناً أن مالك عقار ومني أركو مناوي أعلنا تأييدهما للاندماج في القوات المسلحة، وهو حديث جيد يحتاج لخطة تفصيلية قبل وقف الحرب ولاتفاق سلام يعالج الخلل البنيوي والهيكلي والتاريخي للجيش.
الحديث عن استسلام الدعم السريع وحلفائه غير واقعي وغير ممكن، ومن مصلحة الجيش في ظل تطور حرب الخليج التفاوض حتى دون وقف الحرب. فلدينا تجارب يمكن أن تحارب وتفاوض وتسمح بوصول الطعام للمحتاجين، فالحرب ليست القتال لوحده بل استراتيجية كاملة من ضمن أشياء أخرى تشمل التفاوض والسلام كخيار استراتيجي ومعالجة الكارثة الإنسانية، وهذا يخدم موقف الجيش داخلياً وإقليمياً ودولياً. فمصلحة الجيش لا تتطابق في كل الأحوال مع مصلحة الجماعة الاسلامية مع إدراكنا للتعقيدات العميقة.
أخيراً، في ظل المتغيرات الداخلية ومن بينها عودة دولة ٥٦ إلى الخرطوم بعد غربة وترحال ودون طرح سياسي فاعل وجديد، فإن من واجب الجيش ومصلحته أن يفتح حواراً مباشراً مع القوى المناهضة للحرب في الداخل والخارج وتغليب كفة الحوار السوداني السوداني مع التعامل الرصين مع الوسطاء في الخارج. وانشغال المجتمع الدولي بحرب الخليج يجب أن يدفع أشرعة الحوار السوداني السوداني دون الاستغناء عن الخارج.
إن أطروحة تدمير الجيش لا تخدم المصالح العليا للسودان بل تخدم الجماعة الاسلامية التي تريد ان تحتكر العلاقة مع الجيش وكذلك الاحتفاظ بالجيش بشكله الحالي لن يخدم المصالح العليا للسودان أيضاً. السودان يحتاج لمشروع شامل للنهضة الوطنية يبني الدولة والقوات المسلحة على وجه الخصوص ويبني الحياة السياسية على نسق جديد.
١٢ مارس ٢٠٢٦
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.