خاب مسعاكم … وبارت تجارتكم

بقلم: حسن عبد الرضي

في كل مرحلة من مراحل سقوط الاستبداد يظهر من يحاول أن يرمم ما تهدم من أكاذيبه، ويعيد طلاء الجدران المتصدعة بلون الخداع القديم. ومن هؤلاء يخرج بين حين وآخر بعض كتّاب السلطة القديمة، ممن اعتادوا العيش على فتات الدعاية السياسية، يلبسون ثوب “التحليل” وهم في الحقيقة لا يفعلون سوى ترويج الروايات البالية. ومن أبرز هؤلاء المتصيحف المدعو عادل الباز، كبير البلابسة، الذي ما يزال يظن أن بإمكانه تضليل شعبٍ أصبح أكثر وعياً مما يتصور.

ما كتبه الرجل عن تصنيف الحركة الإسلامية ليس تحليلاً سياسياً، بل محاولة يائسة لخلط الأوراق وتزييف الحقائق. فهو يحاول أن يصوّر الأمر وكأنه “مؤامرة دولية” تستهدف السودان، بينما الحقيقة التي يعرفها السودانيون جيداً أن التصنيف – أياً كان مصدره – إنما جاء نتيجة سجل طويل من الفشل والاستبداد والفساد الذي صنعته جماعة الإسلام السياسي في السودان.

إن المشكلة ليست في قرارٍ دولي هنا أو هناك، بل في تاريخٍ كامل من الخراب. فقد حكمت جماعة الإخوان المسلمين السودان لعقود تحت لافتات متعددة، فماذا كانت النتيجة؟ دولة منهكة، اقتصاد منهار، حروب أهلية لا تنتهي، ومجتمع ممزق بين شعارات الدين وممارسات السلطة. تلك ليست مؤامرة، بل حصيلة طبيعية لسلطة قامت على الاستغلال السياسي للدين.

الشعب السوداني لم يعد ذلك الشعب الذي يمكن خداعه بالشعارات. لقد عرف الحقيقة بوضوح: أن الإسلام دين عظيم بريء من جرائم من اتخذوه سلماً للسلطة. وعرف كذلك أن التنظيمات التي رفعت راية “الجهاد” و“التمكين” لم تكن سوى جماعات هوس ديني مارست الإقصاء والعنف، وأدخلت البلاد في نفق مظلم من الاستبداد والحروب.
ولهذا لم يعد السودانيون يقبلون الخلط المتعمد بين الدين والتنظيم السياسي. فالإسلام ليس جماعة، وليس حزباً، وليس حركة سرية تتآمر للوصول إلى الحكم. الإسلام دين أمةٍ كاملة، أما تلك التنظيمات فليست سوى مشاريع سلطة ضيقة، ثبت فشلها أخلاقياً وسياسياً.

أما محاولة عادل الباز تصوير الأمر وكأنه استهداف للجيش أو للدولة السودانية، فهي مجرد محاولة أخرى للهروب من الحقيقة. فالمشكلة الحقيقية ليست في وجود جيشٍ يحمي الوطن، بل في أن المؤسسة العسكرية ظلت لسنوات طويلة رهينة لتيارات سياسية وأيديولوجية استخدمتها لمصالحها الخاصة. وهذه هي المعضلة التي يعرفها السودانيون جيداً، ولا يمكن حلها بتضليل إعلامي أو مقالات دعائية.

إن السودان لن ينهض ما دامت السياسة تُدار بالعقلية التي يمثلها هؤلاء الكُتّاب؛ عقلية الإنكار والهروب من المسؤولية. فبدلاً من الاعتراف بالأخطاء التاريخية ومحاولة تصحيح المسار، يصرون على إعادة إنتاج الرواية القديمة نفسها: مؤامرات، أعداء، لوبيات، بينما يغيب السؤال الحقيقي: ماذا فعلتم أنتم بالسودان؟
لقد تغير السودان، وتغير شعبه. فالشعب الذي خرج في ثوراته، والذي دفع ثمناً باهظاً من الدم والدموع، لم يعد يقبل أن يُخدع مرة أخرى بالخطاب القديم. لقد سقط القناع، وانكشف المشروع الذي حكم باسم الدين بينما كان يمارس أبشع صور الاستبداد.

ولهذا نقول لعادل الباز ومن يقفون وراء هذا الخطاب:
لقد خاب مسعاكم، وبارت تجارتكم.

فالسودانيون اليوم يعرفون الحقيقة أكثر من أي وقت مضى. يعرفون أن مستقبل بلادهم لا يمكن أن يُبنى على شعارات الهوس الديني، ولا على الدعاية السياسية التي امتهنها بعض الكُتّاب. إن المستقبل لن يكون إلا لدولة الحرية والكرامة، دولةٍ تقف على مسافة واحدة من جميع أبنائها، وتحترم الدين دون أن تستغله، وتحترم الجيش دون أن تحوّله إلى أداة في يد أي جماعة.
أما زمن الخداع فقد انتهى، وزمن الوعي قد بدأ.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.