في مشهد لافت يكشف عمق الأزمة السودانية وجذورها الحقيقية، أدلى عثمان محمد يوسف كبر، رئيس مجلس شورى المؤتمر الوطني المحلول والقيادي البارز في الحركة الإسلامية السودانية، بتصريحات بالغة الخطورة تُلقي بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي والعسكري برمته، وتفتح ملفات ظلت طويلاً تحت ركام الحرب والدمار.
كبر لم يُبقِ مساحةً للتأويل حين وصف رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بأنه لم يكن يوماً ضابطاً يُعتد بثقله المهني أو بدوره المؤسسي، مشيراً إلى أن البرهان لم يكن في حسابات التنظيم الإسلامي بوصفه قائداً بالمعنى الفعلي للكلمة، بل كان بمثابة «الحارس خارج الباب»، تعبيراً فاضحاً عن الدور الوظيفي الهامشي الذي رسمه له التنظيم منذ البداية.
وزاد كبر المشهد وضوحاً حين صرّح بلا مواربة بأن التنظيم الإسلامي هو من استدعى البرهان وأدرجه في المجلس العسكري، لا لكفاءته أو حضوره العسكري، بل لغرض محدد وصريح: سحق المتظاهرين وإعادة تسليم السلطة للإسلاميين.
وتتصاعد خطورة هذه التصريحات حين يروي كبر واقعةً تكشف طبيعة العلاقة الفعلية بين البرهان والتنظيم؛ إذ أشار إلى أن البرهان أطلق في بورتسودان تصريحات انتقادية للإسلاميين خلال النهار، ليتصل بهم مساءً في عطبرة معتذراً، مبرراً موقفه بأنه مضغوط من الأمريكان، في دلالة صارخة على أن البرهان يتحرك وفق خطوط راسخة تديرها الحركة الإسلامية، وأن أي خروج عنها لا يعدو كونه استجابةً لضغوط خارجية مؤقتة، لا قناعةً راسخة.
وفي سياق هذه التصريحات المتسلسلة، أكد كبر أن البرهان لا يستطيع أن يفعل شيئاً ضد الإسلاميين، مؤكداً أن وجوده في رأس المشهد ما هو إلا مرحلة انتقالية محسوبة، قائلاً بوضوح: هو مؤقت لفترة ونحن نشتغل شغلنا، في إقرار صريح بأن التنظيم يدير أجندته الخاصة بمعزل عن الواجهات الرسمية وخلف ستارها.
هذه التصريحات لا تُقرأ في فراغ، بل تأتي في سياق بالغ الثقل؛ فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تتصاعد الأدلة والشهادات حول الدور الذي لعبته الحركة الإسلامية في مسار الصراع، في ظل اتهامات لها بالسعي لاستعادة نفوذها الذي تراجع عقب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في ثورة ديسمبر 2018.
وما يفصح عنه كبر اليوم يبدو، في نظر مراقبين، أقرب إلى شهادة من داخل التنظيم تكشف جانباً من طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتيار الإسلامي في السودان، وهو ما يعيد طرح أسئلة جوهرية حول حدود النفوذ السياسي داخل مؤسسات الدولة، ومستقبل العلاقة بين الجيش والقوى الحزبية في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي ظل استمرار الحرب وتعقّد المشهد السياسي، تكتسب مثل هذه التصريحات أهمية خاصة، إذ تُسلِّط الضوء على طبيعة الصراع الحقيقي داخل الدولة السودانية، وتعيد إلى الواجهة النقاش حول مستقبل المؤسسة العسكرية ودورها في الانتقال السياسي، وما إذا كانت قادرة على التحول إلى مؤسسة وطنية بعيدة عن نفوذ التنظيمات الأيديولوجية والصراعات الحزبية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.