الستار المهترئ: الجيش السوداني بين الوهم والخديعة

بقلم: محي الدين بلال

يأتيك أحدهم ببراءةٍ تكاد تثير الحنق ليسألك: لماذا لا يحسم البرهان فوضى تصريحات الإسلاميين كما يحسم غيرهم؟

هذا السؤال في حقيقته ليس مجرد استفسار عابر، بل انعكاس لحالة إنكار عميقة لما يجري في الواقع السوداني. فالمسألة ليست في قدرة البرهان على الحسم أو عدمها، بل في طبيعة العلاقة التي تربطه بالحركة الإسلامية منذ سنوات.

المثل السوداني يقول:«المسوية بايدك غلب أجاويدك»؛ فكيف يُطلب من قائد أن يقطع اليد التي تمسك بخيوط المشهد من خلف الستار؟

أولاً: العقرب لا تلدغ نفسها

عن أي عدالة نتحدث؟
وعن أي قانون يمكن أن يُطبَّق في ظل منظومة سياسية وأمنية متشابكة؟

الواقع الذي يعرفه كثيرون أن الأجهزة الأمنية في السودان لم تعد تُدار بروح الدولة، بل بروح التنظيم. فهي في كثير من الأحيان تعمل لحماية مصالح سياسية محددة، أكثر مما تعمل لحماية القانون أو المؤسسات.

في هذا السياق يصبح المشهد أشبه بمسرحية سياسية؛ ضجيج في العلن وتفاهمات في الخفاء، بينما يبقى المواطن مجرد متفرج على صراع لا يملك أدوات التأثير فيه.

ثانياً: السؤال الأكبر.. هل بقي جيش قومي؟

هنا تكمن المعضلة الحقيقية.

السودانيون ما زالوا يتمسكون بفكرة “الجيش القومي” باعتبارها أحد آخر رموز الدولة. لكن منذ انقلاب عام 1989 بدأت عملية طويلة من إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية وفق الولاءات السياسية والتنظيمية.

ومع مرور السنوات تآكلت الحدود بين الدولة والتنظيم، وأصبحت المؤسسة العسكرية – في نظر كثيرين – ساحة لصراع النفوذ السياسي أكثر من كونها مؤسسة وطنية خالصة.

الضابط داخل هذه المؤسسة يجد نفسه غالبًا أمام ثلاثة خيارات صعبة:

ولاء سياسي يُقدَّم على حساب الانتماء الوطني.

صمت وخوف في مواجهة منظومة أقوى من الفرد.

انخراط في منظومة مصالح تجعل المؤسسة العسكرية جزءًا من شبكة النفوذ والاقتصاد السياسي للحرب.

الحقيقة التي يصعب تجاهلها

السودان اليوم يواجه أزمة ثقة عميقة في مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية. فالكثير من السودانيين باتوا ينظرون إلى الجيش بوصفه طرفًا في الصراع السياسي، لا حكمًا بين القوى المتنازعة.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية:
حين تتحول المؤسسة التي يفترض أن تكون رمز الدولة ووحدتها إلى جزء من أزمة السلطة نفسها.

ربما تختصر الحكمة السودانية الموقف كله:
“جلد ما جلدك جر فيه الشوك”.

فحين تُختطف المؤسسات الوطنية لصالح تنظيمات أو مشاريع سياسية ضيقة، يصبح الوطن كله هو الثمن الذي يدفعه الجميع.

وفي النهاية، ليست المشكلة في سؤال لماذا لا يحسم البرهان فوضى الإسلاميين، بل في وهم الاعتقاد بوجود مسافة حقيقية بين الجيش والتنظيم الإسلامي الذي ظل يمسك بخيوط الدولة لعقود. فطالما بقيت المؤسسات أسيرة الولاءات السياسية، سيظل البلد يدفع الثمن، وسيبقى السودان يدور في حلقة مفرغة بين الوهم والخديعة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.