تكذيب كبر للتسريب.. دفاع سياسي أم أزمة داخل الإسلاميين؟

تقرير: عين الحقيقة

أثار البيان الذي أصدره القيادي الإسلامي السوداني عثمان محمد يوسف كبر، رئيس شورى المؤتمر الوطني المحلول ونائب الرئيس المخلوع عمر البشير، لنفي صحة التسجيل المنسوب إليه والذي بثته قناة سكاي نيوز عربية، موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية السودانية.

ولم يكن الجدل مرتبطًا فقط بصحة التسجيل من عدمه، بل بالسياق السياسي الذي جاء فيه، وبالدلالات التي حملها رد كبر نفسه، خاصة في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على الحركة الإسلامية السودانية عقب القرارات الأمريكية الأخيرة المتعلقة بتصنيفها.

توقيت بيان النفي وسياقه السياسي

جاء نفي كبر في لحظة سياسية شديدة الحساسية.. فالبلاد تعيش مرحلة معقدة من الصراع العسكري والسياسي، بينما تتزايد الضغوط الدولية، لا سيما بعد تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية للحركة الإسلامية وكتائب البراء بن مالك، الأمر الذي يؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني عبر عزل ما يُنظر إليه كاجتثاث للحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش.

وفي هذا السياق، فإن أي تسريب أو تصريح يربط بين الإسلاميين والقيادة العسكرية، وخاصة قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يكتسب حساسية استثنائية.. لذلك يمكن فهم سرعة صدور بيان النفي من كبر باعتبارها محاولة استباقية لتفكيك الرواية التي قد تعزز الاتهامات الدولية بوجود نفوذ تنظيمي للحركة الإسلامية داخل الجيش السوداني.

استراتيجية النفي في خطاب كبر

اعتمد بيان كبر على عدة مستويات من الدفاع السياسي والإعلامي… أول هذه المستويات هو الطعن المباشر في مصداقية الوسيلة الإعلامية التي نشرت التسريب، حيث وصف قناة سكاي نيوز بأنها «قناة إفك وتضليل»، واتهمها بالعمل على «بناء سرديات» محددة لتثبيت القرار الأمريكي.

هذا النوع من الخطاب يعكس استراتيجية تقليدية لدى الحركات الإسلامية في مواجهة التسريبات، تقوم على نزع الشرعية عن المصدر الإعلامي بدلاً من الاكتفاء بنفي المحتوى.

أما المستوى الثاني فتمثل في تقديم سردية شخصية دفاعية، حيث شدد كبر على أنه منذ عام 2019 كان إما معتقلاً أو لاجئًا خارج البلاد، وبالتالي لم يكن في موقع يسمح له بإصدار قرارات أو توجيهات سياسية أو تنظيمية.

إلا أن هذه الحجة، رغم أهميتها من الناحية الإجرائية، لا تنفي بالضرورة إمكانية التأثير السياسي غير المباشر أو التواصل التنظيمي غير الرسمي، وهو ما يجعلها حجة دفاعية جزئية أكثر من كونها تفنيدًا كاملاً لمضمون التسريب.

محاولة فك الارتباط بين الإسلاميين والبرهان

أحد أهم محاور بيان كبر كان نفي الادعاء بأن الحركة الإسلامية هي التي اختارت الفريق أول عبد الفتاح البرهان لقيادة مجلس السيادة، مؤكدًا أن اختياره تم عبر المجلس العسكري وليس عبر أي جهة سياسية أو حزبية.

هذا الجزء من البيان يكشف بوضوح حساسية النقطة التي حاول التسريب، إن صح، تسليط الضوء عليها: العلاقة بين المؤسسة العسكرية والإسلاميين.. فقد ظلت هذه العلاقة محورًا أساسيًا في النقاش السياسي داخل البلاد وخارجه منذ سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في عام 2019.

لذلك يمكن قراءة هذا النفي باعتباره محاولة واضحة لإبعاد الحركة الإسلامية عن مركز القرار العسكري أو السيطرة على الجيش السوداني، وهو ما يتقاطع مع خطاب رسمي متكرر من قيادة الجيش ينفي وجود نفوذ تنظيمي للإسلاميين داخل قيادته.

البعد الإقليمي والإعلامي للصراع

اتهم كبر في بيانه قناة سكاي نيوز بالسعي إلى الاغتيال السياسي للقيادات الدارفورية المؤثرة، في إشارة ضمنية إلى ما يراه استهدافًا لشخصه ولشخصيات سياسية من دارفور.

ويعكس هذا الاتهام تصورًا لدى بعض قيادات الحركة الإسلامية بأن الصراع السياسي في البلاد لم يعد محليًا فحسب، بل أصبح جزءًا من توازنات إقليمية أوسع تتداخل فيها وسائل الإعلام مع حسابات المجموعة الرباعية الفاعلة في الملف السوداني.

غير أن هذا الطرح يظل محل جدل، إذ يرى مراقبون أن مثل هذه الاتهامات تمثل محاولة للهروب من مواجهة الأسئلة الأساسية حول دور الحركة الإسلامية في المشهد السياسي والعسكري بعد سقوط نظام البشير.

خطاب المظلومية السياسية

من اللافت في بيان كبر توظيفه الواضح لخطاب المظلومية السياسية، سواء عبر الإشارة إلى اعتقاله السابق في سجن كوبر أو عبر الحديث عن محاولات اغتيال سياسي تستهدف قيادات دارفورية.

ويخدم هذا الخطاب هدفين سياسيين في آن واحد:
الأول إعادة تقديم قيادات النظام السابق بوصفهم ضحايا لصراع سياسي وإعلامي، وليسوا فاعلين رئيسيين في الأزمة التي يعيشها السودان.

أما الهدف الثاني فهو محاولة إعادة بناء شرعية سياسية داخل بعض القواعد الاجتماعية والسياسية التي قد تتعاطف مع هذه السردية، لا سيما عقب اندلاع حرب أبريل.

قراءة نقدية: رأي د. عزام عبد الله إبراهيم

في المقابل، قدم الكاتب والمحلل د. عزام عبد الله إبراهيم قراءة ناقدة لبيان كبر، في منشور على صفحته «فيسبوك»، اتسمت بلهجة ساخرة لكنها حملت دلالات سياسية وإعلامية لافتة.

يرى عزام أن إنكار التسجيل لا يبدو مقنعًا بالنسبة لمنتقدي كبر، خاصة أن المقطع المتداول يظهر صوتًا وصورة وسياقًا سياسيًا واضحًا لعثمان كبر نفسه. ومن هذا المنطلق يسخر من فكرة إنكار أمر «ظاهر بالصوت والصورة»، مستدركًا أن من سيصدق هذا النفي هم فقط الذين لديهم استعداد مسبق لتصديقه.

كما انتقد عزام المبررات التي وردت في بيان كبر، مثل الإشارة إلى كونه من دارفور أو الحديث عن فترة سجنه، معتبرًا أن هذه العناصر لا تمثل ردًا مباشرًا على مضمون الفيديو، بل أقرب إلى محاولة لاستدرار التعاطف السياسي أو الأخلاقي.

ويذهب عزام إلى أن التسريب، بغض النظر عن صحته، كشف عن قضية أعمق تتمثل في التباينات داخل التيار الإسلامي نفسه حول رواية سقوط نظام الإنقاذ.

فهناك روايات مختلفة داخل هذا التيار بشأن من أسقط النظام وكيف حدث ذلك، وهو ما يجعل أي حديث من هذا النوع شديد الحساسية سياسيًا.

كما اعتبر أن نشر التسريب يمثل، من وجهة نظر إعلامية، «ضربة معلم»، لأنه أعاد فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين الإسلاميين والجيش السوداني، وهي قضية ظلّت حاضرة بقوة في الجدل السياسي منذ عام 2019.

نقاش يتجاوز النخب إلى المجال الشعبي

اللافت أيضًا أن الجدل حول التسريب لم يبقَ في إطار التحليل السياسي للنخب، بل انتقل بسرعة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ظهر خطاب شعبي ساخر يستخدم مفردات محلية سودانية.

ويعكس هذا التحول أن القضية لم تعد مجرد تسريب إعلامي، بل تحولت إلى معركة سرديات داخل المشهد السوداني، يتداخل فيها السياسي بالإعلامي والشعبي.

يمكن القول إن بيان عثمان محمد يوسف كبر لم يكن مجرد رد على تسريب إعلامي، بل محاولة خداع سياسي لإعادة صياغة موقع الحركة الإسلامية في المشهد السوداني في ظل الضغوط الدولية المتزايدة.

فالبيان سعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: نفي العلاقة التنظيمية بين الإسلاميين والقيادة العسكرية، والطعن في مصداقية الرواية الإعلامية للتسريب، وتقديم خطاب دفاعي يعزز صورة المظلومية السياسية.

في المقابل، يرى محللون سياسيون مثل د. عزام عبد الله إبراهيم أن التسريب يعكس في جوهره انقسامًا داخل التيار الإسلامي حول دور الجيش في السياسة، وأن الجدل حوله مرشح للتصاعد لأنه يمس توازنات السلطة والرواية التاريخية التي تشكلت بعد سقوط نظام البشير.

وبين رواية النفي ورواية التشكيك، يبقى السؤال الأوسع مطروحًا: إلى أي مدى ما تزال العلاقة بين الجيش السوداني والحركة الإسلامية عاملًا حاسمًا في فهم طبيعة السلطة في السودان؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.