حين استولى تنظيم الإخوان المسلمين على السلطة في السودان عام 1989 بانقلاب عسكري، كانت البلاد تمتلك مؤسسات راسخة، وبنكاً مركزياً يحظى بالاحترام، ومشاريع زراعية واعدة، وصادرات متنوعة من القطن والصمغ العربي واللحوم، كانت الخرطوم تحلم أن تكون سلة غذاء أفريقيا ،لكن بعد ثلاثة عقود ونيّف، لم يبقَ من ذلك الحلم سوى الركام.
على مدى ثلاثة عقود، حوّل التنظيم الاقتصاد الوطني إلى مزرعة خاصة. تهريب الذهب صار سياسة دولة لا جريمة تُلاحَق، مشروع الجزيرة، الذي تفكّك حتى كاد يختفي من الخريطة
السؤال الذي يطرحه كثير من السودانيين اليوم، وسط الحرب المشتعلة والنزوح الجماعي والمدن المدمرة، ليس سؤالاً للمستقبل وحسب، بل هو محاكمة للتاريخ: ماذا استفاد السودان من حكم الإسلاميين؟ والإجابة الصريحة، بلا مجاملة ولا مواربة: لم يستفد شيئاً.
على مدى ثلاثة عقود، حوّل التنظيم الاقتصاد الوطني إلى مزرعة خاصة. تهريب الذهب صار سياسة دولة لا جريمة تُلاحَق، مشروع الجزيرة، ذلك الصرح الزراعي الذي طعم نصف القارة، تفكّك حتى كاد يختفي من الخريطة ، عائدات البترول التي كان يمكن أن تُعيد بناء البلاد ذهبت إلى حسابات مجهولة باسم ما سمّاه التنظيم “التمكين” ، والنتيجة؟ بلد يستورد اليوم رغيف الخبز، وكانت أرضه قادرة على إطعام القارة بأسرها. لم يكن ذلك إهمالاً أو قصوراً في الإدارة، بل كان نهباً ممنهجاً واعياً تحكمه شبكة مصالح ضخمة تمتد من البنوك إلى المستشفيات إلى المقاولات، كل ذلك تحت مظلة التنظيم وحمايته.
وعلى الصعيد السياسي، حوّل الإسلاميون الدولة إلى خيال وأبقوا على قشرتها الشكلية لإضفاء الشرعية ، المؤسسات أُفرغت من أهل الكفاءة وملئت بأهل الولاء والانتماء التنظيمي ، القضاء فقد استقلاله، والجامعات فقدت حريتها، والصحافة فقدت صوتها، وبات الانتماء للوطن مشروطاً بالانتماء للحزب ، وما فعله التنظيم بالنسيج الاجتماعي لا يقل فداحةً؛ إذ زرع الفتن القبلية والجهوية ووظّف الهويات الفرعية أداةً للتحكم والسيطرة، فخرج السودان الذي كان يفخر بتعدده وانسجامه من تلك العقود مقطّع الأوصال، تنهشه انقسامات صنعتها سياسات متعمدة لا طبيعة تاريخية.
وربما كان أخطر ما فعله التنظيم هو تدمير المؤسسة العسكرية القومية من الداخل؛ أُفسدت العقيدة العسكرية وحُوِّل الجيش من مؤسسة تحمي الوطن إلى جهاز تابع للحركة الإسلامية. وفي موازاة ذلك، نشأت عشرات التشكيلات المسلحة التي لا تحمل سوى ولاء واحد ، قوات الدفاع الشعبي وكتائب الظل خرجت من رحم تلك السياسة ، وبدلاً من أن يحمي السلاح المواطن صار يلاحقه ويعذّبه ويصفّيه، والدارفور شاهد على ذلك دفع ثمنه بمئات الآلاف من الأرواح.
وعلى الصعيد الديني والأخلاقي، وظّف التنظيم الخطاب الديني غطاءً لكل شيء: للكذب السياسي وللنهب الاقتصادي وللقمع الأمني. خُلقت طبقة جديدة من المنتفعين أثرت على حساب الفقراء والكادحين، وتاجرت في كل شيء حتى في قوت الغلابة، بينما تلوّح بأعلام الفضيلة والإصلاح. وكان من أشد آثار تلك المرحلة ضراوةً ما فعلته بالوعي الجمعي، إذ نشأت أجيال في ظل منظومة تقوم على النفاق والازدواجية، ونُكِّس التعليم وانحدر مستواه، ونُشر خطاب التخوين والكراهية حتى صار عصباً من أعصاب الحياة العامة.
دولياً، دفع السودان ثمناً باهظاً جراء سياسات التنظيم الخارجية. احتضان أسامة بن لادن في التسعينيات ودعم الجماعات المتطرفة في المنطقة أدخل البلاد في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأفضى إلى عقوبات اقتصادية خانقة أثقلت كاهل المواطن العادي وأبعدت الاستثمار الأجنبي لعقود. البلد الذي كان ينبغي أن يكون شريكاً في التنمية الإقليمية صار دولة يتحاشاها المجتمع الدولي.
وحين تبيّن للتنظيم أن الاتفاق الإطاري للمرحلة الانتقالية سيُفضي إلى محاسبة حقيقية وتفكيك منظومة التمكين، اختار ما اختاره دائماً: إشعال الحرب ، السودان اليوم يحترق، والخرطوم تدمّرت، والملايين اقتُلعوا من بيوتهم، ومدن بأكملها تحوّلت إلى أشباح ، وخلف هذا الجحيم يقف تنظيم رفض أن يقبل بنهايته السياسية، فاختار أن تدفع البلاد كلها ثمن بقائه. أي خلاص حقيقي للسودان لن يكون ممكناً دون محاكمة جرائم تلك المرحلة، ودون اجتثاث منظومة التمكين من جذورها، ودون بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية لا على الولاء التنظيمي. هذه ليست دعوة انتقامية ، هذه ضرورة تاريخية لا بديل عنها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.