أخطبوط الصناعات الدفاعية… كيف استطاع ميرغني إدريس أن يبني إمبراطورية الفساد في السودان؟
متابعات: عين الحقيقة
تاريخ طويل من الفساد والاستغلال يمتد عبر صفحات منظومة الصناعات الدفاعية السودانية، حيث تتحكم شبكة من المصالح والحماية في مقدرات الدولة، وتجني أرباحاً ضخمة من وراء استغلال الإعفاءات الضريبية والجمركية. في هذا التحقيق، نلقي الضوء على قصة ميرغني إدريس سليمان، الرجل الذي يقف وراء هذه المنظومة، وكيف استطاع أن يبني إمبراطورية من الفساد والاستغلال.
ظل ميرغني يدير تلك المؤسسة التي تحتوي على ورش لصيانة الطائرات ومهبط لمختلف أنواع الطائرات ذات الأجنحة الثابتة والمتحركة..
من هو؟ ميرغني إدريس، الرجل الذي وُلد في حي المزاد ببحري، والذي التحق بالكلية الحربية عام 1981م، لم يكن سوى ضابط صغير في القوات المسلحة، لكنه استطاع أن يبني نفسه بسرعة فائقة، بفضل انتمائه لتنظيم الحركة الإسلامية وولائه المطلق للتنظيم. ومن خلال منصبه مديراً لمنظومة الصناعات الدفاعية، استطاع أن يتحكم في كثير من جوانب الحياة الاقتصادية والعسكرية في السودان، وأن يجني أرباحاً ضخمة من وراء استغلال الإعفاءات الضريبية والجمركية.
قبل سيطرة الحركة الإسلامية على الحكم في العام 1989، كان قد ترقى إدريس إلى رتبة المقدم، كأول عتبة ينال من خلالها لقب “الضابط العظيم” بحسب العرف العسكري والقوانين المنظمة للجيش السوداني. وبسبب انتمائه العقائدي وعضويته في تنظيم الضباط الإسلاميين داخل القوات المسلحة، تم نقله مبكراً إلى جهاز الأمن والمخابرات الوطني، الذي كان وما زال حكراً على عضوية التنظيم التي تنال ثقة القيادة. ثم انتقل سريعاً إلى هيئة التصنيع الحربي بعد تكوينها في العام 1993 بمساعدة خبرات إيرانية وكورية وصينية وروسية وأوكرانية.
في تلك الفترة التي تم فيها الاستعانة بكوادر التنظيم من الصفوة للعمل بالهيئة تحت إشراف مباشر من أكثر قيادات التنظيم تطرفاً وتشدداً، الفريق محمد الحسن عبدالله، الشقيق الأكبر لإمبراطور الفساد في وحدة السدود أسامة عبدالله. كانت فكرة التنظيم من إنشاء الهيئة، ظاهرياً، توطين الصناعات الدفاعية في البلاد، لكن في حقيقة الأمر كانت نية التنظيم أن تصبح الهيئة غطاءً للاستفادة من موارد الدولة ونيل التسهيلات والإعفاءات الجمركية، بحجة أن عمل الهيئة يتعلق بتصنيع معدات عسكرية، يمكن من خلالها تمرير صفقات أعمال تجارية وتحقيق مكاسب ضخمة بواسطة شركات أخطبوطية تابعة للتنظيم، حسبما كشفت الوثائق والمستندات التي عثرت عليها لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو بعد قيام ثورة ديسمبر.
وحتى تكتمل الصفقات بسرية تامة، عمل التنظيم على الدفع بكوادر عسكرية تحظى بثقة القيادة داخل شرايين الهيئة في وظائف إدارية وفنية. ومن بين هذه القيادات رمز الفساد ميرغني إدريس، لتصبح هيئة التصنيع الحربي منطقة غامضة ذات مسحة أمنية، يُمنع الاقتراب منها أو توظيف أبناء الشعب السوداني فيها، وكأنها وحدة من وحدات تنظيم الإخوان المسلمين.
من هنا بدأ ميرغني إدريس رحلة فساده النتنة، متدرجاً في العمل داخل الهيئة حتى تربع على عرش أحد أكبر فروعها، وأصبح المسؤول الأول عن إدارة مجمع الصافات في العام 2005، وهي شركة مناط بها ظاهرياً دعم القوات الجوية السودانية.
داخل هذا المجمع السري، الذي اختارت له قيادة الهيئة منطقة شمال أم درمان داخل منطقة وادي سيدنا مقراً له، ليتحصن بحصن الجيش القوي في تلك البقعة، ظل ميرغني يدير تلك المؤسسة التي تحتوي على ورش لصيانة الطائرات ومهبط لمختلف أنواع الطائرات ذات الأجنحة الثابتة والمتحركة.
هنا تجدر الإشارة إلى جهاز تطوير أنظمة الأمن، الذي كان يديره أحد صقور التنظيم وأكثرهم شراسة، وشخصية غامضة تعيش بعيداً عن أضواء كاميرات الإعلام، لم يظهر للعلن إلا بعد نجاح اعتصام القيادة العامة في العام 2019 وإجبار اللجنة الأمنية لنظام البشير على النزول لرغبة الجماهير، وهو الفريق عمر زين العابدين، الرجل أيضاً أحد أبناء الدفعة 31 كلية حربية، وتربطه علاقة وطيدة بصديقه المقرب ميرغني إدريس، وهو الذي دعم إدريس في توليه قيادة “الصافات للطيران”.
في تلك الفترة أيضاً، تم نقل بعض الضباط الإسلاميين من وحدات القوات المسلحة المختلفة للعمل بهذا الجهاز الغامض، وهم العمداء محمد الأمير، وسفيان محمد عبد اللطيف، وربيع محمد عبد الرحيم، وطارق حسين، والطاهر الفكي، ومفضل محمد عثمان، والعقيد معاوية عمر، والعقيد أنس يونس، من دفعات مختلفة.
وكانت مهام الجهاز تشمل الإشراف الكامل على كل ما يتعلق بالمواضيع العسكرية والمتطلبات الحربية للقوات المسلحة، والتنسيق بين هيئة التصنيع الحربي بمجمعاتها الرئيسية والقوات المسلحة، وتنظيم المخاطبات بين الطرفين، وإبرام العقود وتنفيذها، ومتابعة الاستحقاقات المالية للهيئة على وزارة المالية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.