ما حدث في مستشفى الضعين التعليمي في أول أيام العيد ليس مجرد «واقعة عسكرية» أو خطأ في الإحداثيات، بل هو كاشف أخلاقي عرّى المسافة الهائلة بين ما يدعيه الناشطون والسياسيون من «قيم» وبين واقع ممارساتهم على الأرض. أن يُقتل أكثر من مائة إنسان، جلّهم أطفال ونساء داخل حرم مستشفى، ثم يُطبق الصمت على منصات «النضال الرقمي» والمكاتب السياسية، فهذا يعني أننا أمام إفلاس أخلاقي يتجاوز بشاعة الجريمة نفسها.
عورة «الناشط» الانتقائي
لقد اعتدنا من “نجوم الميديا” ومن يسمّون أنفسهم حماة حقوق الإنسان، صرخات مدوية وبيانات تملأ الأسافير عند وقوع أي انتهاك في مناطق معينة. لكن أمام أشلاء أطفال الضعين، ابتلع هؤلاء ألسنتهم. لماذا؟ لأن الضحية هنا لا تخدم “الأجندة”، أو لأن إدانة القاتل قد تُفسَّر انحيازاً لجهة سياسية. هذا “التعاطف المشروط” هو أخطر ما يواجه السودان اليوم؛ فإذا أصبح لون الدم يحدد قيمة الضحية، فعلى الإنسانية السلام.
سقوط القوى السياسية في فخ “الحواضن”
أما القوى السياسية، فقد سقطت في قاع التبرير المقزز. كيف يجرؤ سياسي يدعي بناء “دولة القانون” على الصمت تجاه قصف مستشفى؟ أو الأسوأ، كيف يسمح لآلته الإعلامية أن تبرر قتل الأبرياء بوصفهم “حواضن اجتماعية”؟ إن مصطلح “الحواضن” صار “صك غفران” يُمنح للمجرمين لقتل المدنيين بدم بارد، وهو خطاب كراهية ممنهج يهدف لتفتيت النسيج الاجتماعي السوداني وتحويل الحرب من صراع سلطة إلى “إبادة اجتماعية”.
رسالة إلى المهرولين خلف “التصنيف”
إن الإعلامي أو الناشط الذي يخشى أن يُقال عنه “دعامي” أو “فلولي” إذا أدان قتل طفل في الضعين، هو في الحقيقة يفتقر إلى الشجاعة المهنية والأخلاقية. الحق لا يحتاج إلى تبرير، والجريمة تظل جريمة بغض النظر عن هوية القاتل أو جغرافية المقتول. الصمت عن مجزرة الضعين هو “تصفيق للباطل” بامتياز، وهو ضوء أخضر لاستمرار استباحة المستشفيات في كل مدن السودان.
السودان لن يتعافى بالاتفاقيات السياسية وحدها، بل يتعافى حين نستعيد “وحدة الوجع”. حين يبكي ابن الخرطوم على طفل الضعين، ويغضب ابن دارفور لضحية الجزيرة. أما هؤلاء الذين يقتاتون على دماء الأبرياء بصمتهم أو تبريرهم، فالتاريخ سيضعهم في خانة واحدة مع من ضغط على الزناد.
الحق لا يتجزأ.. والدم السوداني واحد، شاء من شاء وأبى من أبى.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.