جيل على حافة الضياع: كيف تتحول امتحانات الشهادة السودانية من أداة تقييم إلى اختبار للعدالة الوطنية؟
بقلم: المهندس حسين تيمان
في ظل الحرب المستمرة وتداعياتها الممتدة، لم تعد امتحانات الشهادة السودانية مجرد استحقاق تعليمي سنوي، بل أصبحت قضية وطنية تمس جوهر العدالة الاجتماعية ومستقبل الدولة نفسها. فمنذ عام 2023 وحتى اليوم، ومع احتمالات امتداد الأزمة إلى امتحانات 2026 و2027، يتشكل واقع مرير يُقصي آلاف الطلاب والطالبات في معسكرات اللجوء ودور النزوح ومناطق النزاع من حقهم الأساسي في التعليم والتقييم.. هذه الفجوة التعليمية المتزايدة لا تعني فقط تأخرًا دراسيًا، بل تعني صناعة واقع غير متكافئ بين أبناء الوطن الواحد. طلاب داخل مناطق مستقرة نسبيًا يواصلون مسيرتهم، وآخرون يُتركون لمصير مجهول، وكأن الجغرافيا أصبحت معيارًا للحقوق. والأخطر أن هذا الإقصاء يزرع إحساسًا عميقًا بالظلم التاريخي، ويهدد بانقسام نفسي واجتماعي قد يمتد أثره لعقود.. لا ينبغي أن يُفهم حرمان هؤلاء الطلاب باعتباره نتيجة طبيعية لتعقيدات الحرب أو ضعف الإمكانيات؛ فالدولة، حتى في أوقات الأزمات، مطالبة بأن تُثبت حضورها القومي، لا أن تنسحب من مسؤولياتها. لأن غياب الحلول لا يعني الحياد، بل قد يُفسر كتمييز غير مباشر أو تخلٍ عن فئات بعينها.
إننا أمام خطر حقيقي يتمثل في نشوء «جيل ضائع»- جيل بلا شهادات، بلا فرص، وبلا أفق واضح. جيل قد يجد نفسه خارج منظومة التعليم والعمل، ما يفتح الباب أمام الهجرة غير النظامية، أو الانخراط في النزاعات، أو الوقوع في براثن الفقر والتهميش. وهذا ليس تهديدًا فرديًا، بل قنبلة اجتماعية موقوتة.
كما أن استمرار هذا الوضع قد يُسهم، بشكل غير مباشر، في ترسيخ واقع الانقسام، حيث تتشكل أنظمة تعليمية غير متكافئة، وربما لاحقًا كيانات موازية، وهو ما يهدد وحدة الدولة على المدى البعيد.
توصيات عملية وعاجلة:
لم يعد مقبولًا التعامل مع هذه الأزمة بالحلول التقليدية، بل يتطلب الأمر رؤية مرنة واستثنائية، من بينها:
تأجيل الامتحانات بشكل مدروس بحيث يُمنح الوقت الكافي لترتيب أوضاع الطلاب في مناطق النزاع واللجوء، دون الإضرار بسير العملية التعليمية على المستوى العام.
التنسيق مع المنظمات الدولية العاملة في قطاع التعليم لإقامة مراكز امتحانات داخل معسكرات اللجوء والنزوح، وكذلك في المناطق الخارجة عن سيطرة حكومة بورتسودان، بما فيها مناطق سيطرة الدعم السريع، على أن تتم العملية تحت إشراف ورقابة دولية لضمان النزاهة والحياد.
اختيار مواقع آمنة ومحايدة لإجراء الامتحانات
مثل منطقة أبيي، باعتبارها نموذجًا لمنطقة مشتركة يمكن أن تُستخدم كمركز امتحاني آمن يخدم الطلاب من مختلف الأطراف.
إطلاق نظام امتحانات إلكترونية «أونلاين» مع العمل على توفير بنية تحتية رقمية آمنة، تشمل:
تأمين الشبكات ضد الاختراق
استخدام تقنيات التحقق الرقمي «Digital Proctoring»
توفير أجهزة ومراكز اتصال في المعسكرات
تنظيم دورات امتحانية استثنائية متعددة
لضمان عدم ضياع أي طالب بسبب ظروف خارجة عن إرادته.
إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة للطلاب المتأثرين
تشمل النازحين واللاجئين، لضمان إدماجهم في أي حلول مستقبلية.
تقديم برامج دعم نفسي وتعليمي
لمعالجة آثار الحرب والفاقد التعليمي، وتهيئة الطلاب نفسيًا وأكاديميًا للامتحانات.. ضمان الاعتراف الدولي بالشهادات الصادرة في هذه الظروف عبر شراكات مع منظمات التعليم العالمية، حتى لا يتضرر الطلاب لاحقًا في فرص التعليم العالي.
إشراك المجتمعات المحلية والقيادات المدنية في تنظيم وتأمين العملية الامتحانية، لتعزيز الثقة والمشاركة المجتمعية.
أخيراً
إن تبني مثل هذه الحلول لا يُعد فقط استجابة لأزمة طارئة، بل هو رسالة سياسية وأخلاقية بأن الدولة لا تزال حاضرة لكل أبنائها، مهما تباعدت بهم الجغرافيا وتعقدت الظروف. كما أن هذه الخطوات تُسهم في تقليل الإحساس بالتهميش، وتُغلق الباب أمام احتمالات الانقسام أو نشوء كيانات موازية.
في النهاية، امتحانات الشهادة السودانية اليوم ليست اختبارًا للطلاب فقط، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الحفاظ على عدالتها ووحدتها. فإما أن نُنقذ هذا الجيل، أو نُخاطر بخسارته… ومعه جزء من مستقبل السودان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.