تشير مؤشرات سياسية وإعلامية متصاعدة إلى تحوّل لافت في موقع جماعة الإخوان المسلمين، لا سيما في السودان، ضمن خريطة التحالفات الإقليمية، في ظل تراجع الدعم من أطراف شكّلت لها سابقاً ركيزة أساسية، وعلى رأسها قطر. ويعكس هذا التحول بداية مرحلة جديدة تتسم بتقلص النفوذ وتزايد العزلة، بعد سنوات من الحضور السياسي والإعلامي المدعوم إقليمياً.
محللون: وتيرة التضييق على الجماعة وتفكك شبكات دعمها أصبحت أكثر جدية في أعقاب تصنيفها في عدد من الدول العربية، من بينها مصر والأردن ولبنان، ما قيّد حركتها السياسية والمالية
ويرى مراقبون أن هذا التراجع لا ينفصل عن مراجعات أوسع تشهدها المنطقة، حيث تتجه دول عدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الخارجية وفق مقاربات أكثر براغماتية، تضع الاستقرار السياسي والأمني في صدارة الاهتمامات، على حساب دعم الفاعلين غير الرسميين، ومن بينهم الجماعة.
كما يشير محللون إلى أن وتيرة التضييق على الجماعة وتفكك شبكات دعمها أصبحت أكثر جدية في أعقاب تصنيفها في عدد من الدول العربية، من بينها مصر والأردن ولبنان، إضافة إلى السودان مؤخراً، وهو ما قيّد حركتها السياسية والمالية، وضيّق من هامش نشاطها داخل هذه الدول وخارجها. على مدى أكثر من عقد، حافظت الجماعة على حضورها الإقليمي عبر شبكة دعم متعددة الأطراف شملت تركيا وإيران إلى جانب قطر، ما أتاح لها موارد مالية ومنصات إعلامية ومساحات للحركة السياسية، خصوصاً عقب إزاحتها من السلطة في مصر.
غير أن هذه الشبكة بدأت تفقد تماسكها تدريجياً، مع تنامي قناعة لدى هذه الدول بأن كلفة الارتباط بالجماعة باتت مرتفعة سياسياً ودبلوماسياً، في ظل ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، وتحولات في موازين القوى. وفي مؤشر على تحولات داخلية أو مراجعات فردية، أثارت تصريحات الصحافي المصري جمال سلطان تفاعلاً واسعاً، بعدما أقرّ بصواب مواقف السعودية والإمارات في التعامل مع الجماعة.
واعتبر سلطان أن استقرار حكم الجماعة في مصر كان سيشكل تهديداً ليس للدولة المصرية فحسب، بل للمنطقة ككل، في تحول لافت عن مواقف سابقة أكثر دفاعاً عنها.
ويرى محللون أن هذه التصريحات تعكس إدراكاً متأخراً لطبيعة التحولات الجارية، ومحاولة لإعادة التموضع في بيئة سياسية متغيرة. وتبرز قطر كأحد أبرز الأطراف التي تشهد سياستها تجاه الجماعة تحولاً ملحوظاً، إذ تشير تقارير إلى تضييق تدريجي على أنشطة مرتبطة بها، بالتوازي مع تراجع حدة الخطاب الإعلامي الداعم. ويرى محللون أن الدوحة، التي شكّلت لسنوات منصة إعلامية واقتصادية محورية للجماعة، تتجه إلى إعادة ضبط سياستها بما يتماشى مع التحولات الإقليمية، لا سيما في منطقة الخليج، حيث تتصاعد الدعوات لتوحيد المواقف تجاه التنظيمات المثيرة للجدل.
ويُفهم من هذه الخطوات أنها تمثل قطيعة كاملة، بطريقة تعكس تفكيكاً تدريجياً لعلاقة اتسمت سابقاً بقدر من البراغماتية المتبادلة.
في المقابل، تبدو مقاربة تركيا أكثر تعقيداً، إذ ترتبط العلاقة مع الجماعة بخلفيات أيديولوجية وسياسية، ما يجعل القطيعة الكاملة أقل ترجيحاً على المدى القريب. ومع ذلك، اتخذت أنقرة خلال السنوات الماضية إجراءات عملية لتقليص حضور الجماعة، شملت تقييد النشاط الإعلامي والسياسي، وفرض ضوابط قانونية على تحركاتها، في إطار سعيها لتحسين علاقاتها مع قوى إقليمية فاعلة. ويعكس هذا التوجه انتقالاً تدريجياً من سياسة الاحتضان المفتوح إلى إدارة أكثر حذراً للعلاقة، توازن بين الاعتبارات الداخلية والخارجية.
تُضاف إلى هذه التحولات تداعيات التوترات الإقليمية، لا سيما المرتبطة بـإيران، حيث يُتوقع أن تؤثر الضغوط السياسية والعسكرية على قدرة طهران في دعم حلفائها وشبكات نفوذها.
ويرى مراقبون أن أي تراجع في هذا الدعم سيؤدي إلى مزيد من انكشاف الجماعة، التي استفادت سابقاً من توازنات إقليمية معقدة. كما أن ما يُنظر إليه على أنه تقارب في بعض الخطابات مع مواقف إيرانية أسهم في إضعاف صورتها لدى قطاعات من الرأي العام العربي.
في ضوء هذه المعطيات، يخلص محللون إلى أن الجماعة تدخل مرحلة جديدة تتسم بتراجع الموارد، وانحسار المساحات السياسية والإعلامية، وتآكل شبكات الدعم التقليدية.
كما يشير غياب مراجعات فكرية وتنظيمية واضحة إلى تحديات إضافية، إذ تبدو قدرتها على التكيف مع المتغيرات الإقليمية محدودة، في ظل تمسك بعض مكوناتها بخطاب لم يعد يواكب السياقات الراهنة.
في الواقع، تعكس هذه التحولات إعادة تشكيل أوسع لمعادلات النفوذ في المنطقة، حيث تتراجع أدوار الفاعلين غير الدولتيين لصالح مقاربات أكثر ارتباطاً بمصالح الدول واستقرارها. وبينما لا يعني ذلك نهاية فورية لدور جماعة الإخوان المسلمين، فإنه يشير بوضوح إلى تضييق متسارع في هامش حركتها، واحتمال دخولها مرحلة طويلة من إعادة التموضع تحت ضغوط غير مسبوقة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.