لم يعد تصنيف الكيزان بكل واجهاتهم- من الأخوان المسلمون، جبهة الميثاق الإسلامي، الجبهة الإسلامية القومية، المؤتمر الشعبي بعد الانقسام إلى المؤتمر الوطني – ضمن قوائم الإرهاب، مجرد فرضية سياسية قابلة للأخذ والرد، بل بات أقرب إلى مسار يتشكل بهدوء، مدفوعاً بتراكمات لا يمكن طمسها أو إعادة تفسيرها. إن من يظن أن الأمر لا يتجاوز كونه ضغطاً عابراً، يكرر ذات الأخطاء التي سبقت لحظات الانهيار في تجارب مشابهة.
لقد شهد السودان بالفعل عواقب العزلة الدولية في عهد عمر حسن أحمد البشير، حين لم يكن إدراجه في قائمة الدول الراعية للإرهاب مجرد توصيف، بل كان بداية خنق اقتصادي وسياسي استمر سنوات طويلة. واليوم، وفي ظل التعقيدات التي أعقبت ثورة ديسمبر 2018، ومع استمرار الحرب وتفكك مؤسسات الدولة، فإن أي تصنيف جديد لن يواجه دولة متماسكة، بل واقعاً هشاً سريع التأثر، ما يجعل نتائجه أكثر تدميراً وأسرع أثراً.
غير أن أخطر ما في هذا المشهد، هو العجز الواضح داخل هذا التنظيم عن استيعاب طبيعة التحول. إذ لا تزال أدواته تدور في فلك التعبئة الأيديولوجية، والرهان على الإعلام، ومحاولات إعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة، وكأن العالم لم يتغير. لكن الحقيقة الصلبة هي أن قواعد الاشتباك نفسها قد أُعيد تعريفها بالكامل.
خذوا المثال الأوضح: تنظيم القاعدة. لم يسقط هذا التنظيم بضربة عسكرية واحدة حاسمة، بل جرى تفكيكه عبر مسار طويل بدأ بالتصنيف، ثم تبعه استهداف شبكاته المالية، وملاحقة قياداته، وتجفيف مصادر تمويله، حتى تحول من تنظيم مركزي قادر على التخطيط والضرب، إلى خلايا متناثرة تفتقر للقدرة على التأثير الاستراتيجي. لقد كان انهياره تدريجياً، لكنه كان حتمياً، لأن البيئة التي كان يتحرك فيها أُغلقت أمامه بالكامل.
الأمر ذاته تكرر، وإن بوتيرة أسرع، مع تنظيم داعش، حيث لم تُهزم فقط في الميدان، بل خُنقت مالياً وإعلامياً، وفُككت شبكاتها اللوجستية، حتى فقدت قدرتها على الاستمرار ككيان متماسك. هذه النماذج ليست بعيدة، بل هي القاعدة التي يُبنى عليها أي تحرك دولي مشابه.
في الحالة السودانية، فإن السيناريو المحتمل يحمل أبعاداً أكثر تعقيداً وخطورة. فالتداخل العميق بين التنظيم ومفاصل الدولة الاقتصادية والعسكرية والإعلامية يعني أن أي عملية تفكيك لن تكون جراحية، بل زلزالية. ستبدأ بتحديد الأفراد، ثم تجميد الأصول، ثم ضرب الشركات والواجهات الاقتصادية، ما يؤدي تلقائياً إلى انهيار شبكات النفوذ. وسيتبع ذلك خنق إعلامي كامل، حيث تفقد المنصات القدرة على التمويل والتشغيل، فتتحول من أدوات تأثير إلى مجرد بقايا خطاب لا يسمعه أحد.
والأخطر، أن هذا المسار قد لا يتوقف عند الحدود المدنية، بل قد يمتد إذا ما توافرت الأدلة إلى مؤسسات يُشتبه في كونها غطاءً أو ذراعاً تنفيذياً. وهنا يتحول المشهد من أزمة سياسية إلى عزلة شاملة، تُقيد فيها التحويلات المالية، وتُراقب فيها كل المعاملات، وتُغلق فيها الأبواب أمام أي دعم خارجي، رسمي أو غير رسمي.
إن التعامل مع هذا التهديد بعقلية “المناورة” أو “كسب الوقت” هو أقصر الطرق نحو الانهيار. فهذه ليست معركة داخل الجامعات، ولا صراعاً إعلامياً يمكن إدارته بالشعارات. إنها مواجهة تُدار في مستويات أعلى بكثير: في أروقة مجلس الأمن الدولي، في أنظمة الامتثال المالي العالمية، وفي شبكات استخباراتية لا تترك مجالاً واسعاً للاختباء أو إعادة التموضع.
الخلاصة الحاسمة: إن هذا التنظيم يقف اليوم أمام اختبار وجودي حقيقي. فإما أن يدرك أن ما يجري ليس تكراراً لسيناريوهات الماضي، بل تحول نوعي في طريقة التعامل معه، أو يستمر في الإنكار، وهو الطريق الذي سلكته قبله تنظيمات انتهت إلى التفكك ثم التلاشي. والتاريخ، القريب قبل البعيد، لا يرحم من يرفض قراءته.
هذه ليست جولة، بل نهاية محتملة لمسار بأكمله. ومن لا يرى ذلك الآن، فلن يراه إلا بعد أن يصبح خارج المعادلة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.